هندسة الجوع في قطاع غزة.. منْ المسؤول؟

بقلم: أحمد عبد الرحمن..
خلال التسعة عشر شهراً الماضية من عمر الحرب الإسرائيلية المجنونة على قطاع غزة، استخدمت “دولة” الاحتلال الفاشية، كلَّ ما في جعبتها من أسلحة لإلحاق هزيمة مُنكرة بالمقاومة الفلسطينية وبشعبها الصامد، ولم تألُ هذه “الدولة” المارقة التي تتمتّع بحماية وحصانة من كبرى القوى العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وباقي حلف الشر في العالم، أي جهد يُذكر للتضييق على هذا الشعب، والضغط عليه بشتّى السبل والوسائل، وممارسة كلّ أنواع القتل والإجرام بحقّه في مخالفة واضحة للقوانين الدولية، وفي تجاوز فاضح لكلّ الأعراف والمواثيق التي تدعو إلى احترام حقوق الإنسان، وحماية المدنيين في أوقات الحروب والنزاعات المسلّحة.
ومع أنّ العدو الصهيوني يتحمّل المسؤولية الرئيسة عمّا يجري من عمليات تجويع ممنهجة، إلّا أنّ هناك مسؤوليات أخرى تقع على عاتق جهات متعدّدة وإن بشكل نسبي، وهي أي هذه الجهات تساهم سواء من حيث تدري أو لا تدري في إطباق الحصار على المدنيين في غزة، وتساعد الاحتلال بصورة أو بأخرى في مخطّطه الإجرامي، بل ويشارك بعضها عن سابق إصرار وتعمّد في هذه الجريمة الموصوفة، والتي يقف العالم الظالم أمامها عاجزاً، وربما متواطئاً ومشاركاً.
يمكن لنا أن نشير فيما يلي إلى خمس جهات نعتقد ومعنا معظم أبناء شعبنا بأنها تقف وراء ما يمكن تسميته بـ”هندسة” الجوع في غزة المحاصرة، مع التنويه إلى أنّ مشاركة بعضها تتمّ بصورة غير مباشرة، أو نتاج سياسات خاطئة وفاشلة قامت باعتمادها كونها ذات علاقة مباشرة بمجريات الأوضاع في قطاع غزة.
على رأس تلك الجهات يقف العدو الصهيوني، والذي يتحمّل المسؤولية الرئيسة عمّا يجري في القطاع من عمليات تجويع، وهذا الأمر لا يحتاج إلى إثباتات كثيرة، إذ إنّ الاحتلال نفسه وعلى لسان بعض وزرائه المتطرّفين أمثال بن غفير وسموتريتش، وحتى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يفاخرون بذلك، ويعلنون على الملأ بأنهم يستخدمون سلاح التجويع لإرغام الشعب الفلسطيني على الاستسلام أولاً، ومن ثمّ دفع السكان للهجرة القسرية من أرضهم ووطنهم.
فإلى جانب إغلاق المعابر منذ أكثر من شهرين ونصف الشهر، ومنع إدخال أيّ مواد غذائية أو صحية إلى القطاع، قام الاحتلال بتجريف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية ولا سيّما جنوب شرق خان يونس، وشمال غرب بيت لاهيا، وهذه المناطق تُعتبر المزوّد الأساسي لكلّ سكّان القطاع من الخضراوات، بالإضافة إلى إعلان هاتين المنطقتين تحديداً مناطق عازلة، ما ترتّب عليه نزوح مئات آلاف المواطنين عنها.
ثاني الجهات هي المؤسسات الدولية، والتي وإن كانت تُعتبر شريان الحياة الرئيس لكلّ سكّان القطاع خلال فترة الحرب، إلا أنها لا تمارس الدور المنوط بها بالشكل المطلوب، بل ونجدها أحيانا تتساوق مع مخطّطات الاحتلال سواء عن قصد أو من دون قصد.
جهة ثالثة تشارك في تجويع أهالي القطاع وهي الأنظمة والشعوب العربية والإسلامية، والتي نعتقد أنها خذلت من دون أدنى شكّ هذا الشعب المظلوم والمذبوح، وساهمت في تشديد الحصار عليه حتى ضاقت به السبل، وانحسرت أمامه الخيارات.
فيما يخصّ الأنظمة، فهي وقفت ومازالت عاجزة إن لم تكن متواطئة أمام جريمة تجويع الناس في غزة، ولم تمارس ما عليها من واجب وطني وأخلاقي وديني لوقف هذه الجريمة، أو الحد من آثارها على أقلّ تقدير، فهي كما جرت العادة ورغم عقدها الكثير من الاجتماعات، وإصدار العديد من الدعوات والمناشدات، إلّا أنها على أرض الواقع لم تقم بأيّ فعل حقيقي ومؤثّر يمكن أن يُجبر “دولة” الاحتلال على فكّ حصارها عن غزة ولو بشكل جزئي.
على مستوى الشعوب، فهي وإن كانت تُبدي الكثير من التعاطف مع الشعب الفلسطيني المظلوم، وتملأ صفحات وسائل التواصل الاجتماعي برسائل الدعم والتأييد، إلا أنها على أرض الواقع أبدت الكثير من السلبية واللامبالاة، بل أنّ بعضها لم يخرج للتظاهر، تضامناً مع غزة منذ بداية العدوان وحتى الآن.
السلطة الفلسطينية في رام الله لم تكن بعيدة عن المساهمة في تشديد الحصار على غزة وتجويع أهلها، وهي تفعل ذلك انطلاقاً من عدائها المزمن مع حركة حماس، وتعتقد أنها بهذا الفعل تنتقم من الحركة التي طردتها من غزة في العام 2007، وتنسى أو تتناسى عمداً أنّ الذي يعاني هم عموم سكّان القطاع وليس حركة حماس فقط.



