بعد 78 عاماً.. هل احتلت “إسرائيل” دمشق؟

بقلم: حسني محلي..
كان واضحاً جداً، أن الرئيس ترامب قد اختار يوم 14 أيار، موعداً للقائه بالرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع، ليقول له ولنا جميعاً: “ها هي “إسرائيل” التي تحتفل اليوم بالذكرى 78 لقيامها، أصبحت موجودة في عقر داركم”.
أقوال الرئيس ترامب ومدحه الشرع، وتصريحات المسؤولين الأمريكيين تعكس بوضوح أن ترامب الذي قال إنه “التقى الشرع بناءً على توصيات إردوغان ومحمد بن سلمان” خصص معظم حديثه معه لموضوع أساسي ألا وهو الاعتراف بالكيان الإسرائيلي، وإقامة علاقات دبلوماسية معه، والتهرب من أية مقولة أو تصرف يزعج هذا الكيان عبر سوريا” التي كانت بالمرصاد لهذا الكيان وسياساته العدوانية المدعومة من واشنطن وحليفاتها الغربية والإقليمية منذ قيامه على أرض فلسطين عام 1948.
أحمد الشرع سبق أن اعترف خلال زيارته إلى باريس بالاتصالات مع “تل أبيب”، كما تحدث الإعلام العربي والغربي خلال الأيام الماضية بالتفصيل عن هذه الاتصالات واللقاءات عبر العديد من الوسطاء ومنهم الإمارات وقطر وأذربيجان وتركيا، ولكل منها حساباتها الخاصة في سوريا والمنطقة عموماً، وفي غياب الدور المصري الذي تجاهله الرئيس ترامب.
وأثمرت هذه الاتصالات تسليم السلطات السورية الجديدة لـ”تل أبيب”، ليس فقط رفات، بل أيضاً أرشيف عميل الموساد إيلي كوهين، الذي تمّ إعدامه في دمشق عام 1965، وكذلك رفات الجندي الإسرائيلي تسفيكا فيلدمان الذي قتل في معركة السلطان يعقوب عام 1982 في لبنان ودفن في سوريا.
ومن دون أن تتأخر السلطات السورية الجديدة في تلبية المطالب الإسرائيلية بمنع أي نشاط فلسطيني على أراضيها ضد الكيان الصهيوني، مع الحديث عن اتفاقيات مبدئية بين “تل أبيب” ودمشق في مجال التعاون الأمني والاستخباري ضد “العدو أو الأعداء المشتركين”.
ومن دون أن تتحدث أية معلومة عن أي انزعاج سوري تطرق إليه الرئيس الشرع خلال لقائه مع ترامب فيما يتعلق باستمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي والمواقع التي توغّل فيها “الجيش” الصهيوني بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول الماضي، مع استمرار الطيران الإسرائيلي في قصف أي مكان في سوريا بما في ذلك مواقع تبعد 200 متر فقط من القصر الرئاسي الذي يقيم فيه الشرع.
وفي جميع الحالات، وأياً كانت حسابات الرئيس ترامب خلال لقائه الشرع بحضور خادم الحرمين الشريفين وتوصيات “وريث الخلافة العثمانية الإسلامية”، فالجميع يعرف أن ما كان يقال عن “خلاف أمريكي- إسرائيلي” حول غزة لم يكن جدّياً، وإلا لكان ترامب قد تطرق ولو بكلمة واحدة إلى العدوان الإسرائيلي المستمر خلال جولته الخليجية التي جنا منها 3.6 تريليون دولار كاستثمارات ومبيعات أسلحة من الشركات الأمريكية التي زوّدت وتزوّد الكيان الإسرائيلي بكل ما أراده من الأسلحة والمعدات الحربية منذ “طوفان الأقصى” ليقتل بها عشرات الآلاف من الشعب الفلسطيني ويدمر غزة برمتها.
ولم يمنع ذلك تميم آل ثاني من التوقيع مع الرئيس ترامب على اتفاقية بقيمة 8 مليارات دولار لتطوير قاعدة العديد، بعد أن قال ترامب: ان “واشنطن ستحمي دائماً تميم والعائلة الحاكمة في الدوحة” ومن دون أن يقول ضد من؟!.
وبدورها، تقول واشنطن دائماً في السر والعلن، إن حليفتها الاستراتيجية في المنطقة هي “إسرائيل” فقط، وما على حكام المنطقة إلا أن يدفعوا لحماية أنفسهم من شعوبهم و”إيران الشيعية” في الوقت الذي يعرف فيه الجميع أن “إسرائيل” فقط هي عدوة الجميع.
كل ذلك مع استمرار الحديث عن اتصالات أنقرة السرية منها والعلنية مع “تل أبيب” تارة عبر واشنطن وتارة أخرى عبر الرئيس الأذربيجاني إلهام عالييف حليف نتنياهو الاستراتيجي الذي استقبل وزير الدفاع الأذربيجاني في “تل أبيب” التي تعقد آمالاً كبيرةً على تحالفها مع أذربيجان جارة إيران وعلى رئيس وزراء المجر أوربان وهو أيضاً صديق مقرب جداً من الرئيس إردوغان.
وكان قد قال في 5 أيلول 2012 إنه “سيأتي قريباً اليوم الذي سيصلي فيه في الجامع الأموي” وهو الآن في قبضة الفصائل المسلحة التي تتغنى بأمجاد الخلافة الأموية.
وإلا لماذا اتفق الجميع على إيصال “النصرة” وحليفاتها إلى السلطة في دمشق خلال 11 يوماً، ولماذا اهتمّ ترامب شخصياً بأحمد الشرع وهو الذي وضع عام 2017 من أجله مكافأة بقيمة 10 ملايين دولار عندما كان اسمه أبو محمد الجولاني.
وبات الإعلام الغربي يتحدث الآن بصراحة وبالتفصيل عن علاقاته السابقة مع الغرب منذ أن كان يقاتل في صفوف “داعش” في العراق، وبعدها جاء سوريا وتزعم “النصرة” ثم “هيأة تحرير الشام” ليسكن بعدها قصر الشعب في دمشق.



