أردوغان وإمام أوغلو .. هل يكرر التأريخ نفسه؟

بقلم: حسني محلي..
في 6 كانون الأول 1997 وخلال خطاب جماهيري في مدينة سيرت جنوب شرق البلاد تلا رئيس بلدية إسطنبول رجب طيب أردوغان مقطعاً من قصيدة شعرية اعتبرتها المحكمة تحريضاً للشعب على التمرد وحكمت عليه بالسجن لمدة أربعة أشهر ومنعته من ممارسة النشاط السياسي إلى الأبد.
وكانت هذه الأشهر الأربعة التي قضاها في السجن كافية له كي يكتسب شهرة عالمية دفعت القنصل الأمريكي وآخرين من ممثلي الدول الأوربية إلى زيارته وهو في السجن وخرج منه في 24 تموز 1999 معلناً تمرده على زعيمه العقائدي نجم الدين أربكان.
واكتسب هذا التمرد طابعاً عملياً خلال المؤتمر العام لحزب الفضيلة الإسلامي في أيار2000 حيث رشح عبد الله غول رفيق درب أردوغان (الآن ضده) نفسه لزعامة الحزب وضد زعيم الحزب رجائي كوتان المدعوم من أربكان الذي اتهم العدالة والتنمية بأنه “صنيعة الإمبريالية والصهيونية العالمية “وقال آنذاك” إن من يصوت لهذا الحزب إنما يصوت لـ”إسرائيل”.. وعندما فشل الثنائي أردوغان – غول في السيطرة على حزب الفضيلة قررا ومعهما عدد من الشباب الإسلامي تشكيل حزب العدالة والتنمية وتمّ الإعلان عنه رسمياً في 14 آب 2001 ليبدأ نشاطه السياسي بدعم من العواصم الغربية وفي مقدمتها واشنطن، وهو ما كان كافياً لفوز الحزب في انتخابات تشرين الثاني 2002 وسيطرته على ثلثي أعضاء البرلمان، على الرغم من أنه حصل على 36% فقط من مجموع أصوات الناخبين.
ونجح الحزب بزعامة عبد الله غول الذي أصبح رئيساً للوزراء في إقناع دانيز بايكال زعيم حزب المعارضة الشعب الجمهوري بتغيير الدستور وإلغاء الحظر المفروض على أردوغان الذي أصبح رئيساً للوزراء في 9 آذار 2003 وبعد أن استقبله الرئيس بوش في البيت الأبيض بعد انتخابات تشرين الثاني فوراً.
ويتوقع البعض من الأوساط السياسية للتأريخ أن يكرر نفسه بعد ما تعرّض له رئيس بلدية اسطنبول أكرم إمام أوغلو من مضايقات متتالية من قبل السلطات الحكومية وانتهت باعتقاله ووضعه في السجن في 19 آذار الماضي بعد اتهامه بقضايا غير جدية ومنها الفساد والعلاقة بالإرهاب المقصود به حزب العمال الكردستاني.
وهو ما يتناقض مع مساعي الرئيس أردوغان للمصالحة مع زعيم هذا الحزب عبد الله أوجلان ومن خلاله مع وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا التي اجتمع قائدها العسكري مظلوم عبدي إلى الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع بناءً على توجيهات وتعليمات وأوامر واشنطن وقال رئيسها ترامب “إنه معجب جداً بأردوغان ويحبه كما يحبه أردوغان أيضاً“.
ودفع ذلك زعيم حزب الشعب الجمهوري أوزغور أوزال إلى توجيه انتقادات عنيفة لأردوغان الذي اتهمه أوزال باعتقال إمام أوغلو بعد يوم من اتصاله الهاتفي بالرئيس ترامب.
وقال أوزال إن أردوغان ينفذ تعليماته وأوامره على صعيد السياسة الخارجية وفي سوريا بالذات مقابل دعم مباشر وغير مباشر له في السياسة الداخلية، بما في ذلك غض النظر عن مساعيه للتخلص من معارضيه، وفي مقدمتهم رئيس بلدية اسطنبول، بعد أن أثبتت جميع استطلاعات الرأي المستقلة أنه سينتصر على أردوغان في الانتخابات المقبلة، ومهما تأخرت حتى موعدها الدستوري في حزيران2028.
ويعرف الجميع أن هذه الانتخابات ستكون قبل ذلك الموعد بكثير بسبب الوضع الاقتصادي والمالي الكارثي للبلاد، بانعكاسات ذلك على الأغلبية الساحقة للشعب التركي. ويفسر ذلك التظاهرات والاعتصامات وحملات المقاطعة للشركات الموالية لأردوغان، والتي يشارك فيها يومياً الملايين من المواطنين الذين بدأوا بجمع التواقيع للمطالبة بإجراء انتخابات مبكرة، وهو ما يحتاج إلى نصف عدد الناخبين وهو68 مليون ناخب تقريباً.
ومع انتظار الدعوى التي سيوجّهها الرئيس ترامب للرئيس أردوغان لزيارة واشنطن في النصف الثاني من أيار المقبل، وبعد زيارته لكل من السعودية والإمارات وقطر في الأسبوع الأول من أيار وربما بعد ذلك مصر و”إسرائيل”، فقد بات واضحاً أن الرئيس أردوغان لا ولن يتراجع عن سياساته الحالية في تضييق الحصار على الشعب الجمهوري وكل من يتحالف معه من أحزاب وقوى المعارضة، وبعد أن نجح مبدئياً في إقناع قيادات حزب المساواة وديمقراطية الشعوب الكردي بضرورة الابتعاد عن الشعب الجمهوري بعد أن سمح لهذه القيادات بزيارة عبد الله أوجلان.
وناشد بدوره قيادات الحزب في جبال قنديل شمال العراق وقف العمل المسلّح ضد تركيا مقابل الاعتراف للأكراد بالحقوق الدستورية وخروجه هو شخصياً من السجن. في الوقت الذي يعرف فيه الجميع أن نجاح أردوغان في إبعاد الأكراد عن الشعب الجمهوري والمعارضة مرهون بموافقة واشنطن على أي صيغة مستقبلية لمعالجة المشكلة الكردية أولاً سورياً ثم تركياً، باعتبار أن وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا امتداد للعمال الكردستاني التركي، ومعروف عنه منافسته التقليدية لعائلة البارزاني حليف أنقرة التقليدي حتى في عدائها لعائلة الرئيس الراحل جلال الطلباني.
كما أن نجاح أردوغان في إبعاد الأكراد عن الشعب الجمهوري، قد ينعكس سلباً على شعبية العدالة والتنمية الحاكم، وأثبتت استطلاعات الرأي الأخيرة أنه يتعرّض لانتقادات عنيفة من ناخبيه والمؤيدين له بسبب مصالحاته مع العمال الكردستاني واحتمالات إخلاء سبيل زعيمه عبد الله أوجلان وهو “رئيس عصابة إرهابية” في نظر غالبية الشعب التركي وخاصة القوميين منهم.
ويصوتون كالعادة للرئيس أردوغان وحزبه العدالة والتنمية وحليفه الحركة القومية الذي تراجع عن مواقفه السابقة المعادية قومياً وعنصرياً للعمال الكردستاني والأكراد عموماً، حيث كان دولت باخشالي من ألد أعداء أردوغان عندما كان يسعى إلى حل المشكلة الكردية سلمياً وديمقراطياً خلال الفترة ما بين 2010و 2015. في جميع الحالات وأياً كان مصير ومستقبل الحوار بين أردوغان والأكراد، ولكلٍ حساباته الخاصة بذلك، وحتى إن كان القرار بيد واشنطن، فقد أثبتت استطلاعات الرأي المستقلة أن شعبية إمام أوغلو في تزايد مستمر لأسباب عديدة، أهمها “الظلم الذي يتعرض له ” وبالتالي شبابه والكاريزما التي يتمتع بها( وهي حال أردوغان قبل 25 عاماً) خاصة بين الشباب والنساء، وأخيراً انفتاحه على فئات الشعب كافة دينياً ومذهبياً وعرقياً واجتماعياً وثقافياً.



