وحدة ولاية الأمر في عصر الغيبة .. الفرق بين المرجعية والولاية


لقد مهَّد الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف لغيبته وانقطاعه عن الناس بما عرف بالغيبة الصغرى، والتي نصَّ فيها على أشخاص بأسمائهم وجعلهم وكلاءه ونوابه، إليهم يرجع الناس وهم يرجعون إلى الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، وأما بعد وفاة السفير الرابع فقد جعل الإمام الولاية من بعده بما دلتنا عليه الروايات المتقدمة لأشخاص يحملون صفات معيِّنةً محددة تقدم ذكرها أيضاً، ولم ينصّ عليها لشخص واحد بعينه، وعند توفر الشروط في واحد من الفقهاء يتعين تلقائياً، لكن لو فرضنا تعدد الفقهاء الذين تتوفر فيهم الشروط المتقدمة، فهل تكون الولاية لكل واحد منهم أو لمجموعهم أو لأحدهم فقط ؟ ولعل هذا من أهم أبحاث ولاية الفقيه في العصر الحاضر.
إذا كانت القاعدة الأولية تقتضي وحدة الولاية، ومنعت الظروف من توحيد الولاية وفرضت التعدد، فعندئذ لا مانع منه، كما هو كل حكم أولي تقتضي الضرورة رفع اليد عنه، وهو أولى من ترك الأمور كلياً. كما أنَّ القاعدة الأولية لو فرضت التعدد، وكان الظرف يقتضي الوحدة فإنَّه لا مانع منها عندئذ, كما أنّه لا يشك بأنَّ وحدة ولاية الفقيه غالباً ما تكون هي الخيار الأفضل للأمَّة، لكنَّ البحث لن يكون في الأفضل، بل في الأصل ومقتضى القاعدة.
أدلة وحدة ولاية الأمر
إذا اتضح ذلك نقول: إنَّ القاعدة الأولية تقتضي وحدة ولاية الأمر في عصر الغيبة ودليل ذلك:
أولا: إنَّ ما يحكم به العقلاء في جميع الأمم والشعوب والأديان أنَّ وجود رأس واحد لهذه الجماعة هو أمر لازم لصالح الجماعة, وأنَّ تعدد القادة سوف يؤدي إلى الإخلال بسير الأمة نحو الرقي والكمال المادي والمعنوي، وسوف يفرض الإنقسام على الناس ويتيح الفرصة لتفكّك الجماعة, واذا كان المسلمون أمة واحدة، تحمل هدفاً واحداً وعقيدة واحدة ومصادر مسيرتها في الحياة واحدة, فلا بد وأن يكون الشخص الذي يسير بها واحدا.
ثانيا: روح الشريعة: فإنَّ الشريعة الإسلامية في كلِّ أحكامها السياسية والاجتماعية والأمنية والعسكرية فرضت الأمة الإسلامية أمة واحدة، فرضت الوطن الإسلامي وطناً واحداً، وليس فيها ما يفرض تعدد الكيانات والأمم الإسلامية، وقد بقي هذا الأمر يعيش في مرتكزات المسلمين في مختلف العصور حتى جاء الاستعمار الحديث بثقافة الكيانات المتعددة، وقسّم الأمم والأوطان، لأهداف سياسية معروفة.
ثالثاً: النصوص الصريحة التي دلت على وحدة القيادة في العالم الإسلامي، منها الرواية المعتبرة عن الإمام الصادق عليه السلام “إنَّما للمسلمين رأس واحد”.
فرضية تعدّد الولي
سنتعرض لاحتمال تعدد الولي, لنرى مبرراته الشرعية ولوازمه العلمية, ويمكن تصور التعدّد من خلال عدّة صور هي:
الصورة الأولى: ثبوت الولاية الفعلية لكل فقيه تتوفّر فيه الشروط، بحيث يكون لكل فقيه ولاية مستقلة عن ولاية الباقين، مهما كثر عددهم,والصورة الثانية: ثبوت الولاية الفعلية للمجموع لا للجميع، أي ثبوت ولاية واحدة لمجموع الفقهاء الذين تتوفر فيهم الشروط حال اجتماعهم، دون أن يكون للأفراد ولاية.
الصورة الثالثة: ثبوت شأنيّة الولاية لجميع الفقهاء الذين تتوفّر فيهم الشروط، بمعنى صلاحيّة كلّ واحد منهم للولاية، وأهليّته لها، إلا أنَّ الولاية الفعليّة لا تكون إلا لواحد منهم فقط في كلّ دائرة من دوائر الأمة الإسلاميّة، فعند تعدّد الفقهاء في الدائرة الواحدة لا تكون الولاية الفعلية إلا لواحد منهم، وعند تعدّدهم بتعدد الدوائر يكون كل واحد منهم ولياً بالفعل في دائرته, وهذا الاحتمال هو الأشهر عند القائلين بتعدد ولاية الفقيه، حيث يدَّعي أصحابه أنَّه لا يلزم منه الفساد الذي اقتضاه الاحتمال الأول، ولن يكون هناك تعارض بين أولياء الأمور الذين يعمل كل واحد منهم في دائرة مستقلة عن الأخرى، واستدلوا على ذلك بأن الأدلة السابقة الشرعيّة مطلقة بمعنى أنّها تنطبق على كلّ فقيه جامع للشرائط، غير مختصّة بفقيه واحد إلاّ في الحالات التي يلزم من ثبوت الولاية لكلّ واحدٍ (التعدّد) الفساد،وتبقى سائر الحالات على حالها,وهو ما يصوره هذا الاحتمال.
مناقشة التعدد
إنّنا عندما نريد استفادة الإطلاق من الكلام الوارد من المعصوم لا بد وأن يكون الكلام قدر ورد لبيان جعل الولاية للجميع فعلا، أي نصب كل فقيه للولاية، ولكنَّ الروايات لم تكن بصدد بيان ذلك، بل أرادت بيان الصفات المعتبرة التي ينبغي توفرها في الولي. ثم إننَّا إذا أردنا أن نفهم كلام المعصوم لا بدَّ وأن نفهمه ضمن القرائن العامة التي يعيشها الناس في عصر الإمام عندما صدر منه الكلام, ومن القرائن العامة ملاحظة المرتكزات الثابتة في أذهان الناس منذ صدر الإسلام حتى العصور القريبة الماضية، وهي التي تتضمن وحدة الولي والقائد ومن بيده الأمر وإليه يرجع الناس في أمورهم العامة، وهذا يمنع من شمول الأدلّة الشرعية السابقة – التي استدلوا بها – لكلّ فقيه بمفرده، وهذا يعني عدم ثبوت التعدّد بنحو فعليٍّ لكلّ فقيه.
إنَّ تقسيم الأمة والبلاد الإسلامية إلى دوائر متعدد، يخالف ظاهر كلِّ الأدلة الشرعية التي كانت تنظر إلى الأمة الإسلامية كوحدة غير مجزأة، ولم يلحظ في شيء من الخطابات الشرعية أنَّها فرضت الأمة وحدات متعددة، وقد تقدم.
إنَّ تعدد الدوائر لن يقف عند حدٍّ معين، فإنَّ التجزئة إذا أمكنت فلن تتوقف حتى في المدينة الواحدة التي يمكن فرضها أكثر من دائرة، كما هو الأمر في الدوائر البلدية والإدارية، وهذا بالنسبة لولاية الأمر غاية في الفساد، يقطع بعدم رضا الشريعة وصاحبها، والالتزام بتقسيمات محدودة لا معنى له، ولا يمكن تحديد ضابطته، فهل نعتمد أساس الجغرافيا والتجزئة الطبيعية أو الأساس اللغوي أو القومي أو غير ذلك ؟! وكل هذه الأسس لا يعترف بها الشرع كمنطلقات للفرز والتقسيم.
القياس على القضاء غير صحيح، لوجود الفارق الكبير بين الأمرين، فإنّ قضايا القضاء شخصية خاصة, وقضايا الولاية عامة غير شخصيّة، فإذا أمكن التعدد في القضاء عند تعدد القضايا وانتفاء الترابط بينها فليس الأمر كذلك في قضايا ولاية الأمر المترابطة والشاملة،فإنّ التعدّد فيها يؤدي إلى الخلل والفساد، وبالتالي لا يصح هذا القياس.
الرأي الصحيح
وعليه فإنَّ الإحتمالات الثلاثة التي فرضت التعدد لا مجال لقبول شيء منها ولا الالتزام بها، ولا بدَّ من المصير إلى القول بوحدة ولاية الأمر حتى في عصر الغيبة, فالنتيجة أنَّ القاعدة الأولية تقتضي وحدة ولاية الفقيه لكل الأمة الإسلامية مهما اتسعت, حتى لو بلغت العالم أجمع,وعليه فإذا تعدَّد الفقهاء الذين لهم الأهلية والشأنية لولاية الأمر يكون الأولى والمتعين أعلمهم وأقدرهم وأتقاهم، وهذا ما يرجع في شأن تعيينه إلى أهل الخبرة، فإذا تصدى للأمر وجب على الأمة نصرته وطاعته وتوليه.
فمن أهم المفردات التي تميز بها خط الإمام الخميني “قدس سره” وأخذت حيزاً مهماً من تفكيره وأسلوب عمله هي مسألة “وحدة الأمة الإسلامية” التي كان طرحها من جانبه كجزء لا يتجزأ من “شمولية الطرح الإسلامي” الذي يتنافى مع التمزق والتفتيت الذي تعيشه الأمة في واقعها,ولا شك أنَّ وحدة الأمة هي الأصل الثابت الذي لا محيص عنه, وقد قال تعالى في كتابه: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (الأنبياء:92),وفي هذا المجال يقول الإمام الخميني”رحمه الله” “بحكم الإسلام يجب أن يكون المسلمون يداً واحدة” وكذلك “التكليف الآن هو أن يكون لجميع المسلمين وحدة كلمة”, ومن الواضح أنَّ هذا الطرح الوحدوي للأمة كان شعاراً كما كان هدفاً مباشراً لجهاد الإمام وكفاحه الطويل ويقول في هذا المجال: “إنَّ هدفنا هو الإسلام ووحدة كلمة المسلمين في كل أرجاء العالم، والإتحاد مع الدول الإسلامية كلها”, ومن هنا، لم يكن الاختلاف المتحقق بين المسلمين سبباً لتثبيط عزيمة الإمام بل عمل على تجاوز واقع التجزئة الذي تعيشه الأمة وحاربه بكل ما أوتي من قوة من أجل تصحيح مسيرة هذه الأمة العظيمة وإعادة وحدة الكلمة إليها تحت راية التوحيد لله التي تقتضي وحدة المسلمين جميعاً,ولهذا نجد أنَّ الإمام رضوان الله عليه يعلن عن الاستعداد التام للعمل مع جميع المخلصين على قاعدة”وحدة الأمة” ويقول: “إنَّني أمدُّ يد الأخوَّة إلى جميع المسلمين الملتزمين في العالم، وأطلب منهم أن ينظروا إلى الشيعة باعتبارهم أخوة أعزَّاء لهم، وبذلك نشترك جميعاً في إحباط هذه المخططات المشؤومة”,كما يعد الإمام “رحمه الله” أنَّ قيام الدولة الإسلامية في إيران هو وسيلة من وسائل توحيد الأمة نظراً للإمكانات التي تتوفر لها ويقول: “نحن لا نملك الوسيلة إلى توحيد الأمة الإسلامية وتحرير أراضيها من يد المستعمرين، وإسقاط الحكومات العميلة لهم، إلا أن نسعى إلى إقامة حكومتنا الإسلامية، وهذه بدورها سوف تتكلل أعمالها بالنجاح”.
أما الجانب الاخر من البحث يخص ولاية الامر هو اشتباك مفهوم المرجعية،مع مفهوم الولاية,والحقيقة أن هنالك بونا شاسعا بين المفهومين سنحاول إزالته بتوضيح أبعاد كل منهما.. شكل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) المرجعية للناس،فكانت علاقة الناس ترتبط بهم في بعديها: معرفة الأحكام الشرعية الثابتة المنزلة من اللَّه عزَّ وجلَّ,وتنفيذ المشروع الإسلامي السياسي والاجتماعي لتدبير أمور الناس وتنظيم علاقاتهم مع بعضهم البعض, فالأئمة (عليهم السلام)يتصدون لكلا الأمرين معاً من خلال النص الإلهي الذي ينصّ عليهم بالإسم،إماماً بعد إمام،إلى زمن غيبة الإمام الحجة (عجل الله فرجه). وفي زمن الغيبة الصغرى كان هناك نص بالإسم على سفراء الإمام الحجة (عجل الله فرجه) من الإمام؛ ليرجع إليهم الناس سفيراً بعد سفير. وأما في زمن الغيبة الكبرى فلم يعد هناك سفراء يسميهم الإمام بأسمائهم وإنما أرشد الناس إلى الفقهاء من خلال الصفات التي ينبغي توفرها فيهم.
من يتصدى في غيبة الإمام ؟
من خلال البحث عن الصفات يمكن للمكلف سد الفراغ في هذين الدورين الموكلين للمعصوم (عليه السلام)..أما معرفة الأحكام الشرعية، فقد أرشدتنا الروايات إلى شرطين أساسين ينبغي ملاحظتهما في المرجع: الاجتهاد والعدالة، كما في الرواية عن الإمام العسكري (عليه السلام): “من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه”، وهذا من شأن دور المرجعية،فمن توفرت فيه الصفات يكن مرجعاً يقلده الناس,وأما تنفيذ المشروع السياسي والاجتماعي وتدبير أمور الناس،فلا يكفي فيها الاجتهاد والعدالة بل لا بد من الكفاءة أيضاً، فالإنسان الذي لا يمتلك الكفاءة لن يكون قادراً على قيادة الأمة وتحقيق مصالحها حتى لو فرضنا أنه الأعلم على المستوى الفقهي.
إختلاف المرجع عن الولي
إذا كان المجتهد الأكفأ هو الأعلم الذي يقلده المكلف، فإن هذه الصيغة هي الصيغة الأفضل والأقرب إلى ما كان عليه الأمر في حضور المعصوم ومن اجتماع الدورين في شخص واحد.
دور المرجع
إننا وعبر تحديد الدائرة التي يتم الرجوع فيها إلى مرجع التقليد نحل ما يحتمل من التعارض بين المرجعية والقيادة، فالأساس في رجوع الناس إلى المرجع وكما هو مذكور في كتب الفقهاء هو رجوع الجاهل إلى العالم أو الرجوع إلى أهل الخبرة فيما يختصون به. يقول تعالى: “فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ”.
ومن ملاحظة هذا نعرف أن الفقيه وظيفته أن يخبر من يرجع إليه عن الحكم الإلهي، فهو يقوم بدور الإخبار عن الحكم الشرعي العام، ودون أن يهتم بتشخيص الموضوعات، ومثاله الصلاة بالثوب النجس، فإن المرجع يخبرني بعدم صحة الصلاة بالثوب النجس، ولكنه لا يحدد لي هل الثوب الذي ألبسه نجس أم طاهر،أي أنه لا يصدر حكماً بملاحظة الظروف الخاصة والحالات المحددة بل يخبرنا عما توصل إليه من الحكم العام بعد رجوعه إلى مصادر الحكم الشرعي, وخصوصية هذه الأحكام التي يصدرها المرجع هي أنه يصدرها كقاعدة عامة، وعلى المكلف أن يحدد حالته الخاصة التي تطرأ عليه،وما الحكم العام الذي ينطبق عليه ؟،ولا يتدخل الفقيه في تحديد حالات أفراد المكلفين وهذا ما يقال له إن “تشخيص الموضوع”بيد المكلف.
دور الولي الفقيه
أما بالنسبة للولي الفقيه فالموضوع أعم وأشمل بشكل مطلق، إذ بيده إدارة المجتمع الإسلامي؛ لذا فدائرة الأحكام التي يصدرها الولي الفقيه تشمل دائرة الأحكام التي ترتبط بالنظام وشؤون المجتمع والدولة وهذا ما يسمّى “بالأحكام الولائية”فما الأحكام الولائية ؟.
إن الحكم الولائي هو حكمٌ يصدره الفقيه بعد تشخيصه للمصالح والمفاسد،وهو الذي ينشئه،أي أن وظيفة الولي هي الأمر والنهي بناءً على التشخيص،وليست وظيفته الإخبار عن الحكم العام بعيداً عن التشخيص كما هو شأن المرجع,وبناءً على ذلك فإن الأحكام التي يرجع فيها إلى ولاة الأمر هي:
• الأحكام القضائية: وهي الأحكام التي يصدرها الولي أو القضاة المنصبون منه،في موارد النزاع والخصومة والإختلاف،وهذه الأحكام نافذة حتى بحق المجتهد.
• الأحكام الأولية العامة: وهي التي ترتبط بالشؤون العامة وما يرتبط بإدارة الدولة: كالأمر بالجهاد،أو عقد الصلح،أو غير ذلك.فالولي الفقيه هو الذي يحدد أن شروط الجهاد متوفرة أو لا،وأن في الصلح مصلحة المسلمين أو لا.
• الأحكام التي ترتبط بحفظ النظام: إن حفظ النظام والأحكام التي يمكن بها حفظ النظام للمسلمين ولغيرهم،كل ذلك يرتبط بالولي الفقيه. وبناءً على ما تقدم،لا تنافي بين المرجعية والولاية إلا إذا كانت الأحكام التي يقول بها المرجع تعارض ما يقوله الولي الفقيه أو تتدخل باختصاصاته.



