الحملة الصليبية السابعة وهزيمتهم بمعركة المنصورة


أمينة العربي
بعد أن استطاع الصالح نجم الدين أيوب الانفراد بحكم مصر سنة 1238 م، ونجح في استرداد بيت المقدس من أيدي الصليبيين بمساعدة الخوارزمية في تموز 1244م، وهزم الصليبيون في معركة غزة في تشرين الاول 1244م، وكانت هذه الهزيمة أضخم كارثة حلت بالصليبيين بعد معركة حطين سنة 1187م، وبلغ من أثرها أن أطلق عليها “حطين الثانية”، ونجح أيضاً في استرداد قلعة طبرية 1247م، ثم استولى على عسقلان في العام نفسه، وبذلك نجح الصالح أيوب في توحيد مصر والشام تحت سلطانه بعد أن أصبحت القاهرة ودمشق وبيت المقدس في قبضة يده.
وقد أثار استرداد المسلمين بيت المقدس حفيظة الغرب الأوربي، وارتفعت الأصوات هناك تدعو إلى ضرورة إرسال حملة صليبية جديدة إلى مصر بعد أن ساد الاعتقاد هناك أن مصر ما دامت على قوتها وبأسها فلا سبيل إلى نجاح الحملات الصليبية واستعادة بيت المقدس من أيدي المسلمين، واستجاب لهذه الصيحات الغاضبة “لويس التاسع” ملك فرنسا الذي عقد مجلسا عاما في باريس في خريف 1245م حضره كبار رجال المملكة، ورجال الكنيسة، وعلى رأسهم البابا “إنوسنت الرابع”، وفي هذا المؤتمر أخذ العهود والمواثيق على الراغبين في الانخراط في الحملة، وبدأ بنفسه؛ فكان أول من أدرج نفسه في سجل الحرب الصليبية، وتتابع الأمراء في الاقتداء به.
وفي 12 من آب 1248م) أبحرت الحملة من جنوبي فرنسا؛ قاصدة قبرص حيث مكثت بها زهاء ثمانية أشهر. ولما علم الصالح أيوب بأخبار الحملة الصليبية وهو في بلاد الشام من الإمبراطور الألماني “فردريك الثاني”، الذي كان يرتبط به بعلاقات طيبة، تحرك الملك الصالح بسرعة على الرغم من مرضه، فغادر دمشق محمولاً على الأكتاف في مِحَفَّة، ونزل بالدقهلية بمصر في آيار 1249م، وجعل من هذه البلدة الصغيرة معسكره الرئيس، ومركز عملياته الحربية.
وبدأ في الاستعداد لمواجهة العدو، فعمل على تحصين دمياط؛ لعلمه أنها كانت هدف الصليبيين في حملاتهم السابقة، وتزويدها بالمؤن والعتاد، وعَهِد إلى طائفة بني كنانة ـ وهم قوم مشهورون بالشجاعة والإقدام ـ بحماية المدينة والدفاع عنها، وأرسل إليها جيشًا بقيادة الأمير فخر الدين يوسف إلى البر الغربي لدمياط حتى يكون في مقابلة الصليبيين عند وصولهم إلى الشاطئ المصري؛ ليحول دون نزولهم إليه، فعسكر تجاه المدينة، وأصبح النيل بينه وبينها.
فلما وصلت الحملة الصليبية إلى الشواطئ المصرية في صبيحة يوم الجمعة 4 حزيران 1249م، نزلت إلى البر بالرغم من وقوع بعض المناوشات بين الحملة والمسلمين، وانسحب الأمير فخر الدين بجيشه، وعَبَر النيل إلى دمياط نفسها، ثم غادرها إلى المعسكر السلطاني.
ولما رأى أهالي دمياط انسحاب الحامية العسكرية، فروا بنسائهم وأطفالهم وشيوخهم؛ فدخل الصليبيون دمياط بغير قتال.
استقبل الصالح نجم الدين أيوب أنباء سقوط دمياط بمزيج من الألم والغضب، فأنّب الأمير فخر الدين على تهاونه وضعفه، واضطر إلى نقل معسكره إلى مدينة المنصورة، ورابطت السفن الحربية في النيل تجاه المدينة، وتوافد على المدينة أفواج من المجاهدين الذين نزحوا من بلاد الشام والمغرب الإسلامي.
واقتصر الأمر على بعض الغارات التي يشنها الفدائيون المسلمون على معسكر الصليبيين، واختطاف كل من تصل إليه أيديهم، وابتكروا لذلك وسائل تثير الدهشة والإعجاب، وتعددت مواكب أسرى الصليبيين في شوارع القاهرة على نحو زاد من حماسة الناس، ورفع معنويات المقاتلين.
وفي الوقت نفسه قامت البحرية المصرية بحصار الحملة وقطع خطوط إمدادها في فرع دمياط، واستمر هذا الوضع ستة أشهر منذ قدوم الحملة، ولويس التاسع ينتظر في دمياط قدوم أخيه الثالث كونت دي بواتيه، فلما حضر عقد الملك مجلسا للحرب لوضع خطة الزحف، واستقروا فيه على الزحف صوب القاهرة؛ فخرجت قواتهم من دمياط في يوم السبت الموافق 20 تشرين الثاني 1249م، وسارت سفنهم بحذائهم في فرع النيل، حتى وصلوا إلى قناة تعرف اليوم باسم “البحر الصغير”، فصار على يمينهم فرع النيل، وأمامهم قناة أشموم التي تفصلهم عن معسكرات المسلمين القائمة عند مدينة المنصورة.
وفي الوقت الذي تحركت فيه الحملة الصليبية توفي الملك الصالح أيوب، فقامت زوجته شجر الدر بتدبير شؤون الدولة بعد أن أخفت خبر موته، وفي الوقت نفسه أرسلت إلى ابنه توران شاه ولي عهده تحثه على سرعة القدوم إلى مصر ليعتلي عرش البلاد خلفاً لأبيه.
وتعين على الصليبيين لمواصلة الزحف أن يعبروا فرع دمياط أو قناة أشموم، فاختار لويس التاسع القناة، فعبرها بمساعدة بعض الخونة، ولم يشعر المسلمون إلا والصليبيون يقتحمون معسكرهم، فانتشر الذعر بين المصريين، واقتحمت فرقة من الصليبيين بقيادة “روبرت أرتوا” أحد أبواب المنصورة، ونجحوا في دخول المدينة وأخذوا يقتلون المصريين حتى وصلت طلائعهم إلى أبواب قصر السلطان نفسه، وانتشروا في أزقة المدينة، حيث أخذ الناس يرمونهم بالأحجار والطوب والأسهم.
وانقض المماليك البحرية بقيادة “بيبرس البندقداري” على الصليبيين في 8 شباط 1250م، فانقلب نصرهم إلى هزيمة، وقُتلت الفرقة وقائدها الكونت أرتو نفسه.
وفي فجر يوم الجمعة بدأ الجيش المصري هجومه على معسكر الفرنج، لكن الملك لويس تمكن من الثبات بعد أن تكبد خسائر فادحة، وبذلك انتهت معركة المنصورة الثانية، وهي المعركة التي أيقن الصليبيون بعدها أن عليهم الانسحاب إلى دمياط قبل القضاء عليهم.
وفي 27 شباط 1250م وصل توران شاه، وتولى قيادة الجيش، وأخذ في إعداد خطة لإجبار لويس التاسع على التسليم، بقطع خط الرجعة عليه، فأمر بنقل عدة سفن مفككة على ظهور الجمال وإنزالها خلف الخطوط الصليبية في النيل، وبهذه الوسيلة تمكن من مهاجمة السفن الصليبية المحملة بالمؤن والأقوات، والاستيلاء عليها وأسر من فيها، وأدى هذا إلى سوء الحال بالفرنسيين، وحلول المجاعة بمعسكرهم وتفشي الأمراض والأوبئة بين الجنود، فطلب لويس التاسع الهدنة وتسليم دمياط مقابل أن يأخذ الصليبيون بيت المقدس وبعض بلاد ساحل الشام، فرفض المصريون ذلك، وأصروا على مواصلة الجهاد.
لم يجد الصليبيون بدًّاً من الانسحاب إلى دمياط تحت جنح الظلام، ولكن المصريين تعقبوهم وطاردوهم حتى فارسكور، وأحدقوا بهم من كل جانب في نيسان 1250)، وقتلوا منهم أكثر من عشرة آلاف، وأُسر عشرات الألوف، وكان من بين الأسرى أنفسهم الملك لويس التاسع نفسه، حيث تم أسره في قرية “منية عبد الله” شمال مدينة المنصورة، وتم نقله إلى دار القاضي “فخر الدين بن لقمان”، حيث بقي بها أسيراً مدة حتى أفرج عنه لقاء فدية مالية كبيرة، وجلاء الفرنج عن دمياط، وأن يستمر الصلح بين الطرفين لمدة عشر سنوات.



