أين وصل الصراع بين ترامب والدولة العميقة؟

بقلم: محمود الأسعد ..
أولاً: مصطلح الدولة العميقة
كثر الحديث عن مصطلح الدولة العميقة في السنوات الأخيرة، وعلى الأخص منذ دخول ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الأولى بين عامي 2016-2020 بعد أن تعهد علناً بمحاربة “الدولة العميقة”، واستخدم لأجل ذلك تعبير “تجفيف المستنقع”، غير أن هذا المصطلح له جذور تأريخية في مناطق ودول عدة في العالم ولا يقتصر على الولايات المتحدة.
يمكن اختصار مضمون المصطلح في العموم على النحو الآتي، إنه تعبير عن تيار يشمل مجموعة من الموظفين والشخصيات البيروقراطية المتغلغلة داخل دوائر القرار ورسم السياسات، بحيث تتمكن من السيطرة على القرارات المهمة والاستراتيجية في الدولة، بغض النظر عن الجهة السياسية والحزبية الحاكمة، وتوجيه تلك القرارات والسياسات بما يخدم مصالحها ورؤيتها. وفي الولايات المتحدة، فإن هذه الطبقة تمكنت لعقود من التغلغل والسيطرة وبسط النفوذ داخل أهم مؤسسات القرار الأمريكي كالاستخبارات والخارجية و”البنتاغون” والكونغرس وأهم شركات ومؤسسات الإعلام وشركات السلاح والنفط والتكنولوجيا العابرة وغيرها.
ثانياً: الجولة الأولى من الصراع
تمكنت الدولة العميقة من تقييد سياسات ترامب في ولايته الأولى قبل أن تنقلب عليه بشكل كامل وتسقطه في انتخابات العام 2020، واستخدمت لذلك أدوات وأساليب عديدة عملت من خلالها على شيطنته وإحداث اضطرابات داخلية وخارجية لعرقلة توجهاته منذ مقتل فلويد وصولاً لانتشار كورونا، وقضايا اللقاحات، والترويج لقضايا المناخ والطاقات البديلة، وانتهاءً بالتلاعب بالانتخابات واقتحام “الكابيتول”.
وطوال تلك الفترة كان المحرك الرئيس للصراع، قائماً على إصرار ترامب على نقل الولايات المتحدة من العولمة إلى الوطنية، وما يعنيه ذلك من تجفيف لمصادر قوة الدولة العميقة التي تعتمد نهجاً يقوم على العولمة والشركات العابرة بما فيها شركات النفط والسلاح، وما ينعكس عنها من حروب تجارية واقتصادية وعسكرية وطاقوية على الصعيد العالمي.
ثالثاً: فترة حكم بايدن
حاولت الدولة العميقة عبر إدارة بايدن، لملمة الشظايا الترامبية طوال أربع سنوات على الصعيدين الداخلي والخارجي، وعملت على ترسيخ نفوذها ورسم سياسات داخلية وخارجية تمكنها من الغوص بعيدًا في استراتيجيات لا يمكن الخروج منها لاحقاً بما يمنع عودة عقارب الساعة للوراء، وكان من أهم استراتيجياتها على الصعيد الخارجي الحرب الهجينة على روسيا انطلاقاً من أوكرانيا، وحرب الإبادة على غزة بواسطة “إسرائيل” لتغيير الشرق الأوسط، وعلى الصعيد الداخلي، كان الهجوم الشرس على ترامب ووضع العراقيل لمنع ترشحه للانتخابات الرئاسية، ومن ثم محاولات مكثفة لمحاكمته في مئات القضايا الجنائية، ثم محاولات عدة لاغتياله خلال حملته الانتخابية، بالإضافة إلى تحريك ملفات عدة كالهجرة غير الشرعية وقضايا الشذوذ والإجهاض وغيرها.
رابعاً: عودة ترامب والجولة الجديدة
لم يكن ترشح ترامب للانتخابات الرئاسية وتمكنه من الفوز بها، والسيطرة على مفاصل القرار في مجلسي النواب والشيوخ، وكذلك في المحكمة الاتحادية العليا، تعبيراً عن قوته ونفوذه الشخصي، فالرجل بات يمثل تيارًا واسعاً داخل الولايات المتحدة ونجح إلى حد بعيد في تمرير سردية “الدولة العميقة وخطرها” بين الجمهور الأمريكي طوال سنوات، واستخدم خلالها تكتيكاً هجومياً على الصعيد الإعلامي لكسر هيبة مؤسسات حكومية وغير حكومية كانت تعتبر لوقت قريب ذات رمزية كبيرة بالنسبة للشارع والمواطن الأمريكي أو هكذا جرى تصويرها لعقود، وكمثال على ذلك شاهدنا هجومه العنيف على الشرطة الفيدرالية FBI، والاستخبارات الأمريكية CIA، وعلى القضاة، وعلى قنوات إعلامية مشهورة مثل CNN، ووزارة العدل، وعلى وزارة الصحة، وعلى بعض شركات التكنولوجيا الرقمية، وغيرها.
خامساً: الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والضربة الموجعة للدولة العميقة
لا شك أن ترامب العائد للبيت الأبيض بات يدرك عوامل ومفاصل قوة الدولة العميقة وأجهزتها على عكس ولايته الأولى، ونظرًا لسيطرة حزبه الجمهوري على مفاصل القرار الأمريكي، إلى جانب تحالفاته مع أحد أهم رجال الأعمال “إيلون ماسك”، ومع اللوبي اليهودي في واشنطن، فإن ترامب بات يمتلك هامشاً واسعاً لتوجيه ضربات موجعة للدولة العميقة، ابتدأها بالانسحاب من معاهدة المناخ ومن منظمة الصحة العالمية، وأوقف دعم الأونروا، وفرض الرسوم الكمركية على خصوم وحلفاء واشنطن، وأوقف برامج المساعدات الخارجية، وكل ما له علاقة بالعولمة والنهج الليبرالي، غير أن الضربة الموجعة الأكثر أهمية وتأثيراً تمثلت بتطويع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID التي تمثل واحدة من أخطر الأذرع التي استخدمتها الدولة العميقة لتمرير استراتيجياتها على الصعيدين الخارجي والداخلي.
من الواضح، أن ترامب ومنذ توليه لمهامه بتوجيه الضربات القاسية للدولة العميقة، كأنه لا يريد إعطاءها الفرصة للتحرك ضده كما حصل في ولايته السابقة، فالرجل كما هو واضح صاحب مشروع وطني بعيدًا عن العولمة، ولا يريد لمشروعه أن يتعرّض لانتكاسة، ويبدو أنه اختار المواجهة منذ اليوم الأول، فهل ينجح في تمرير استراتيجيته، أم أن الدولة العميقة ستكون قادرة على إزاحته؟ لا شك بأن الانقسام العمودي والأفقي داخل الولايات المتحكمة بدأ ينحو منحى خطيرًا، وبات يمثل سببًا ونتيجة في آن معاً، لصراعات النخب السياسية التي لم تعد تحرم أي نوع من السلاح في المواجهة، فكيف سينتهي الصراع بين تلك النخب، أو بالأحرى كيف سينتهي الأمر بالولايات المتحدة في ظل هذا الصراع العميق؟.



