اخر الأخباراوراق المراقب

حكمة الغيبة في حياة الأنبياء والأولياء

الحسين أحمد كريمو..

الدِّين ليس كلمة طارئة على فكر وعقل الإنسان أبداً، بل الدِّين مغروس في صميم الإنسان ومتركِّب عليه عقله وفكره ووجوده كله، لأن الدِّين مسألة فطرية قد عُجنت به طينته، وعليه تكونت نطفته، وانعقدت بدايته، وإلا فما كان أحد يعرف ربه ومعبوده فتراه تائهاً هائماً يعبد هواه أو مَنْ يخيفه، أو يرزقه، أو يستهويه كما نرى ونسمع ونقرأ عن بعض المعبودات التي نخجل منها عندما نقرأ عنها، ونحمد الله على نعمة الإسلام العظيم الذي جعلنا أهلاً لحمل رسالة التوحيد، فشرَّفنا بهذا التكليف حيث عدَّنا من العقلاء وإلا فإن الإنسان البعيد عن التوحيد هو كالأنعام بل أضلُّ سبيلاً حقيقة وليس مجازاً، فأي فكر يجعلك تعبد شخصاً مثلك؟ وأي ضلالة أبعد من أن يعبد أحدهم شجرة، أو حجرة، أو بقرة، أو حتى جرذاً، أو حيَّة، أو حتى فلفلاً حاراً أو يعبد ما هو أذلُّ وأخزى من ذلك كله أليس هذا سفاهة وضلالة ما بعدها ضلالة ولا سفاهة؟

والدِّين ليس لعبة بيد البشر كما يفعل أحبار اليهود، أو كهان النصارى فيؤلفون ويزيدون وينقصون على هواهم وكأن الدين دينهم وليس دين الله تعالى لأنهم: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء) فغلُّوا يد الله -والعياذ بالله- ليطلقوا أيديهم الآثمة فيغيِّروا ويبدِّلوا كما يشاءون وكأن الدِّين لعبة بين أيديهم وهو كالعجينة يصنعون منه ما يشاءون من فتاوى وحلال وحرام وأحكام ما أنزل الله بها من سلطان لأنهم يقولون: لا شأن لله بأمور العباد فهو جلس على الكرسي وترك لنا تدبير شؤون خلقه.

أبداً الدِّين دين الله تعالى، وهو الذي يحدد العقائد والأحكام والحلال والحرام والعبادات والمعاملات والإيقاعات ولم يترك شاردة ولا واردة إلا وأعطى فيها حكماً يعرفه العلماء الفقهاء المأمونون على دين الناس وعقائدهم، وهم لا يقولون في دين الله إلا بعلم، ولا يفتون إلا بفقه مأخوذ من القرآن الحكيم، أو السُّنة المطهرة، ولديهم العقول المُنارة بالوحي المقدس الذي يسدِّدهم ويؤيدهم إذا اشتبهت عليهم مسألة من المسائل.

الغيبة من الدِّين

هذه مسألة طال الحديث عنها منذ أن غاب عن هذه الأمة رسولها الأكرم المصطفى محمد (ص) فظنوا أنه انتهت مهمته ويمكن أن يفعلوا كما فعل بنو إسرائيل من قبل، وهم الذين قال لهم رسول الله (ص) محذراً مراراً: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكُمْ شِبْرًا بشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بذِرَاعٍ، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا: يا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قالَ: فَمَنْ؟).

وقال لبعض الصحابة عندما كان يترك رسول الله (ص) ويذهب إلى اليهود ليتعلَّم منهم ويكتب عنهم: (يا رسولَ اللهِ، إنَّ أهلَ الكِتابِ يُحدِّثونَنا بأحاديثَ قد أخَذَتْ بقُلوبِنا، وقد هَمَمْنا أنْ نَكتُبَها، فقال:  أمُتَهَوِّكون (متحيرون) أنتُم كما تَهَوَّكَتِ اليهودُ والنَّصارى؟ أمَا والذي نَفْسُ مُحمَّدٍ بِيَدِه لقد جِئتُكُم بها بَيضاءَ نَقيَّةً، ولكنِّي أُعطيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ، واخْتُصِرَ لي الحَديثُ اختِصاراً).

ولكنهم لم يسمعوا كلام ونصيحة رسول الله (ص) إليهم وتركوا أميرهم الذي عيَّنه الله لهم ونصَّبه رسول الله (ص) وبايعوه في يوم غدير خم، قبل أن ينتقل رسول الله إلى الرفيق الأعلى، ولم يقولوا كاليهود والنصارى بل عملوا كما عمل أولئك الأشقياء عندما ذهب رسولهم إلى مناجاة الرَّب وترك فيهم أخاه النبي هارون (ع) إلا أنهم تركوا هارون واتبعوا السَّامري الذي ضحك عليهم فأخذ منهم ذهب نسائهم وحليهم وصنع لهم عجلاً من الذهب والجواهر والأحجار الكريمة وقال لهم: (هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ).

حتى رجع موسى (ع) وهو في حالة من الحزن والأسف: (قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي) (طه: 86)، وذهب إلى أخيه هارون يعاتبه: (قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَا بْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي).

فما حال هذه الأمة لو رجع إليهم رسولهم بعد أسبوع وليس أربعين يوماً كما كانت غيبة موسى (ع)، وهنا هذه الغيبة التي كانت الأولى معلومة ثم كانت العشرة الثانية مستأنفة ومجهولة من الله تعالى أليست لحكمة يريدها الله تعالى لاستكمال الامتحان والفتنة لهذا الخلق؟

أليست هي غيبة صغيرة نستدلُّ من خلالها على سُنَّة ربانية حاكمة على حياة البشرية منذ أبيهم آدم (ع) وحتى يرث الله الأرض ومَنْ عليها؟ أليس الله حكيماً في كل أقواله وأفعاله؟ فكيف يجعل النبي يغيب عن قومه ثم يفتنهم بعالِم من العلماء الذين عبدوا أنفسهم واتَّبعوا أهواءهم ليكون شاهداً على تلك السُّنة الربانية، ودليلاً عليها وعلى الحكمة على غيبة كل نبي أو ولي عن قومه؟.

فكيف إذا عرفنا -من خلال دراسة تأريخ وقصص الأنبياء- أنهم جميعاً كانت لهم غيبة أو أكثر عن أقوامهم فهل هي بلا حِكمة ولا دليل على غيبة غيرهم من الأولياء؟ وإذا كانت السُّنة ثابتة عقلاً ونقلاً كتاباً وسُنَّة ألا يدلُّ ذلك على صدق ومشروعية غيبة الإمام الحجة بن الحسن (ع) مهدي هذه الأمة ونحن نعيش فيها ونرى بأم العين هذا الضلال الذي يشيب منه الطفل الرضيع، ثم هذا الاختلاف بين نِحل الناس ومللهم وكل منهم يدَّعي وصلاً بليلاه ولا أحد منهم يصل أو يتصل بربه سبحانه وتعالى.

الغيبة ضرورة تربوية

وهذه السُّنة الربانية هي ضرورة تربوية من أجل تربية النبي والولي على قيم السماء الإلهية هذا من جهة عليا، وأما من جهة أخرى هي ضرورة تربوية للأمة والناس على أن يغيب عنهم رسولهم امتحاناً واختباراً وفتنة لهم ليعلموا كم يصمدوا في غيبته عنهم؟ وكم يتمسَّكوا بالقيم الإلهية السماوية من بعده وهل سيكونون كبني إسرائيل الذين خرجوا جميعاً من الدِّين ولم يبقَ إلا هارون النبي والولي متمسِّكاً بالدِّين والباقي اتبعوا السَّامري وعبدوا العجل الذَّهبي حيث قال ربنا على لسان رسول الله إليهم موسى الكليم (ع): (قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) وذلك عندما غاب عنهم أربعين ليلة فقط فكيف إذا عرفوا بأن غيبته أبدية بالموت، كما حصل لهذه الأمة الإسلامية عندما كان يخبرها رسول الله (ص) منذ حجة الوداع ويقول لها مراراً وفي كل مناسبة: (فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيب وَأَنَا تارِكٌ فِيكُمُ اَلثَّقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فيهِ اَلْهُدَى وَاَلنُّورُ فَخُذُوا بكِتَابِ اللّهُ وَاِسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللّهُ وَرَغَب فِيهِ ثُمَّ قَالَ: وَأهل بيتي أُذَكِّرُكُمُ اللَّه فِي أهل بيتي (ثلاثاً). (حديث متواتر عند الفريقين).

فهل انتظرته حتى غاب عنها غيبته الكبرى بالوفاة أو أنها استعجلت وفاته ورحيله فذهب إلى ربه شهيداً مسموماً مظلوماً كما تؤكد الروايات التأريخية التي يروونها بأنه مات مسموماً من يوم خيبر، ولكن نحن نعتقد أن حلفاءهم من قريش هم الذين سقوه السَّم باسم الدَّواء وقالوا مقولتهم التي يأباها العلم والمنطق والدِّين والقرآن الكريم، ويقبل قولنا ويؤيده قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ).

والله سبحانه ليس عنده في علمه تردد ولكن التردد في عمل هذه الأمة التي ترددت حتى تردَّت في حفرتها وانتكاستها وعودتها إلى الجاهلية الأولى التي أنقذهم منها رسول الله (ص) برحمته ورفعهم الإسلام بعظمته وكتابه الذي أنزله الله ليخرجهم من الظلمات والجهل والتخلف إلى أنوار العلم والتقدم والحضارة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى