“أدرينالين الحذر”… تحرك مبكر لإحباط خطط قديمة

بقلم: رانا أبي جمعة..
لم نعد نملك رفاهية الحديث مطوّلاً عن “صورة الانتصار” بعودة الغزيّين إلى شمالي القطاع. فما يُحَاك خلف الأبواب المغلقة، بحيث تظهر بعض الخيوط بين الفينة والأخرى، من خلال تصريحات هنا وخطوات هناك، يفرض علينا التركيز على ما هو آتٍ، أكثر مما فاتَ من تطورات كبرى.
بناءً عليه، نتوقف هنا عند نقطتين إثنتين في محاولة منّا لفهم ما يجري، وهو ما قد يُبنى عليه في المستقبل: حالة وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، وتصريحات الرئيس الأميركي المنتخَب حديثاً، دونالد ترامب، وبعض الخطوات التي قام بها.
أصبح ثابتاً أن سموتريتش لن يستقيل من الحكومة، نتيجة أسباب، بعضها معلوم، وآخر نعتقد أنه سيتكشَّف مع الأيام.
فالمعلومات المتداولة تتحدث صراحة عن أمرين مهمين: الأول جاهزية بيني غانتس وحزب “راعام” (“القائمة العربية الموحدة”)، بقيادة منصور عباس، لإنقاذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة وإنفاذه. أما الأمر الثاني والمهم فهو أن 59% من ناخبي الصهيونية الدينية، بحسب استطلاعات للرأي، يعتقدون وجوب الالتزام بشأن اتفاق عودة الأسرى حتى النهاية، بما في ذلك المرحلتان الثانية والثالثة. وهذه النسبة ارتفعت في استطلاعات الرأي اللاحقة، ولاسيما مع مشاهد تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، ودخول أهل الجنوب لبلداتهم، وتشكّل مزاج عام، مُفاده أن وعود نتنياهو بالنصر المطلق لم تكن إلا وهماً. كل ذلك يعني أن “عنتريات” سموتريتش بالتهديد بالاستقالة لا تلقى الشعبية المطلوبة.
لكن، هل اتفاق وقف إطلاق النار هو كل ما يهم سموتريتش؟ بالتأكيد لا. وربما هنا تظهر خيوط اتفاق ما مع نتنياهو، فالضفة الغربية، التي تبقى نصب عينَي سموتريتش، هي في قلب العاصفة اليوم.
منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار في غزة حيز التنفيذ، تتوسّع العمليات العسكرية في الضفة الغربية، ويتواصل العدوان على جنين، حتى قيل إنها ستكون “غزة ثانية”، فالاحتلال يُمعن في تدمير المنازل وإحراقها وتدمير الشوارع، ويبدو أن طولكرم ونابلس ليستا بعيدتين عن الاستهداف المركّز ذاته.
وهذا ليس كل ما في الأمر، فالحواجز العسكرية والبوابات الحديدية تزداد باطّراد، الأمر الذي يصعّب العيش على أهل الضفة، عبر عزل المدن والقرى، بعضها عن بعض.
كل التطورات في الضفة هي على ورقةto do list، الخاصة بسموتريتش. أما الهدف المحقَّق، وهو لا يقل أهمية عمّا يحدث في الضفة، بالنسبة إليه، فهو توالي الاستقالات في المؤسسة العسكرية، وهو ما يُعَدّ “عز الطلب” بالنسبة إلى الصهيونية الدينية، وفيها فرصة في التخلص من خصوم لا يتفقون مع مروحة واسعة من اقتراحات سموتريتش، كما أنها فرصة في ملء الفراغ، عبر شخصيات أقرب إلى تياره السياسي العقائدي.
فبعد استقالات كل من قائد فرقة غزة، العميد آفي روزنفيلد (تموز 2024)، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، أهارون خليفا (آب 2024)، وقائد وحدة الاستخبارات، المعروفة باسم الوحدة 8200، يوسي ساريئيل (أيلول 2024)، وقائد لواء الشمال، حاييم كوهين (كانون الأول 2024)، تأتي استقالة رئيس هيأة الأركان، هاليفي، ونائبه أمير برعام، وقائد المنطقة الجنوبية، يارون فنكلمان، لتكون استقالاتهم كالـ cherry on the top بالنسبة إلى اليمين المتطرف.
أمّا خارجياً، فإن أخطر ما يحاك هو من جانب إدارة دونالد ترامب، التي ضغطت في اتجاه قبول “إسرائيل” اتفاقَ وقف النار في غزة. فالرئيس الأميركي يقولها، من دون مواربة، بأن غزة مدمَّرة بصورة كاملة.
في المحصّلة، فإن كلاً من غزة والضفة الغربية في خطر، وسبل المواجهة لا تقع فقط على الشعب الفلسطيني الموجود في أرضه والمتمسك بها، وإنما أيضاً على دول الجوار بصورة أساسية، وخصوصاً الأردن ومصر، في المرتبة الأولى، ثم على الدول العربية والإسلامية، من أجل الوقوف في وجه النكبة الثانية، وتصفية القضية الفلسطينية.
للأسف، تفرض الصدقية علينا أن نقول إن الواقع مغاير لذلك. لنسأل الغزّيين، فهم أدرى ما الذي كان يحضَّر على الأرض قبل وقف إطلاق النار وبعده؛ أو لنسأل ما الذي يجري عند الحدود مع رفح، منذ أشهر إلى اليوم؟ فهناك يمكن لنا الحصول على الجواب الحقيقي. هل ما يتم الحديث عنه هو مجرد أفكار، أم أن التطبيق بدأ، وجرس الإنذار يرنّ بقوة!
مع أن المنطقة عاشت ذروة التوتر والقلق على امتداد الأشهر الـ15 الماضية، فإن ما يصاغ ويحضّر من خطط يتطلب إبقاء الحواس نشطة ومستيقظة. فـ”أدرينالين الحذر” يجب أن يبقى مرتفعاً.



