اراء

هل بدأ العد العكسي لإقامة الدولة الفلسطينية في سيناء؟

د. هاني الروسان..

أكد الرئيس دونالد ترامب، ما كنا قد أشرنا اليه في مقالنا السابق، حول تلقي كل من مصر والأردن، تهديدات صارمة حول ضرورة قبولهما باستقبال أعداد من سكان قطاع غزة، حيث أوضح من على متن طائرته الرئاسية التي تقله في رحلته من لاس فيغاس الى ميامي، الى انه يتعين على الأردن ومصر استقبال المزيد من الفلسطينيين من غزة، وانه قال للملك عبد الله الثاني: “أود منك أن تستقبل المزيد لأنني أنظر إلى قطاع غزة بأكمله الآن وهو في حالة من الفوضى، إنها فوضى حقيقية، أود منه أن يستقبل أشخاصا”. وأضاف قائلا: “أود أن تستقبل مصر أشخاصا أيضا”، مضيفا أنه سيتحدث إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لاستقبال مشردي الحرب على قطاع غزة الذي قال انه يدور في أفق المليون ونصف المليون فلسطيني، فهل بدأ العد العكسي لإقامة الدولة الفلسطينية في صحراء سيناء؟.

وان كان من غير المؤكد ان يكون هناك رابط بين هذه التأكيدات الرئاسية الامريكية وبين ما افتعله نتنياهو من أزمة بعدم الانصياع لبنود وقف اطلاق النار بالسماح لسكان شمال قطاع غزة بالعودة الى مناطق سكناهم بحجة عدم اطلاق حماس لسراح الاسرائيلية اربيل يهود، إلا ان ذلك يصب في اتجاه افتعال مزيد من التعقيدات لجهة اعادة اعمار غزة وعودة المواطنين الفلسطينيين الى مناطقهم وارغامهم على الهجرة ان لم يكن من كل قطاع غزة فعلى الأقل من شماله والتي سيكون لصحراء سيناء النصيب الأكبر منهم وان حصة الأردن منهم سيكون شكليا باعتبار ان حصته المنتظرة ستكون في قادم الأيام من سكان الضفة الغربية، التي كانت الانباء السابقة قد تحدثت عن نحو 800 ألف فلسطيني من حملة الجنسية الأردنية يجري الاستعداد لترحيلهم الى الأردن أو من الضروري ترحيلهم في سياق استراتيجية اليمين الاسرائيلي لضم الضفة ومنع اقامة الدولة الفلسطينية.

ودخول اسرائيل على خط أزمة مخيم جنين بهذه الصورة السافرة بالإضافة الى انه احراج للسلطة الوطنية الفلسطينية واضعاف لدورها، فانه قد يكون الذريعة التي ستتخذها اسرائيل لتدمير المخيم وتشريد سكانه، وانه سيكون الخطوة الاولى في سلسلة خطوات كان قد كشف النقاب عنها رئيس هيأة أركان جيش الاحتلال هاليفي الذي أكد انه سيتم المرور من جنين الى طولكرم وغيرهما.

بمعنى آخر فان الحديث عن ضم الضفة الغربية الى اسرائيل ودق المسمار الاخير في نعش حل الدولتين، لم يعد موضوعا للتحليل أو التكهن، بل انه بدأ طريقه بالانتقال العملي للتنفيذ على الارض -بعدما قال ترامب عندما سُئل عما إذا كان اقتراح نقل الفلسطينيين الى الاردن ومصر سيكون مؤقتا أو طويل الأجل: “يمكن أن يكون هذا أو ذاك”- وان جزءا من جنوب قطاع غزة سيكون نواة لما يسمى بالدولة الفلسطينية أو لشكل من أشكال الدول على رأي الرئيس الامريكي السابق جو بايدن “ابو القانون الدولي” لضرورات تتعلق بربط وادارة مناطق التجمعات السكانية الكبرى في الضفة الغربية وبالتوسع نحو صحراء سيناء المشروع القديم الجديد الذي يعود الى منتصف القرن الماضي، والسابق على صفقة القرن والمتضمن فيها أو انه أحد ركائزها الأساسية التي عاد ترامب ليراهن عليها مع بعض التغييرات التي أملها الواقع الجيوسياسي للمنطقة.

ولان كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد تمكن في عام 2014 من احباط ورفض مقترح اقامة الدولة الفلسطينية في قطاع غزة ونحو ألف وستمائة كيلومتر من صحراء سيناء، حسبما أورد ذلك الاعلام الاسرائيلي في حينها ونفته بشدة القيادة الفلسطينية والخارجية المصرية، فان التغيرات الجيوسياسية التي وقعت للمنطقة ما بعد هجوم السابع من اكتوبر 2023 والصمت الدولي المريب على حرب الابادة الجماعية التي تشنها اسرائيل بدعم أمريكي غير مسبوق على القطاع والاستمرار في حصار الضفة الغربية وتقطيع أوصالها، والانفتاح العمودي المريع للنظام العربي على تفاعلات دول المحيط وتفاعلات النظام الدولي، يجعل من مهمة اسقاط هذه الحلقة الجديدة في سلسلة القضاء على القضية الفلسطينية وبناء شرق أوسط اسرائيلي الزعامة، أمرا في غاية الصعوبة.

ولكن ستزداد هذه الصعوبة وتصبح صعوبات وتعقيدات ستترك آثارها الكارثية على المنطقة لعشرات السنين القادمة، ان لم تتحرك قيادة النظام الاقليمي العربي التي انتقلت كليا الى دول الخليج العربي وتحديدا السعودية وقطر والامارات المتحدة التي تجد اذعانا وترددا وخوفا والتباسا في مواقف بقية دول الاقليم، وتمنع التلاعب بالحق الفلسطيني الثابت وغير القابل للتصرف، كما ان ذلك سيكون مفتتح عهد قيادة اسرائيلية للمنطقة لا يستقيم لها حال إلا باستكمال تفتيت الوحدات السياسية الكبرى في المنطقة كمصر والسعودية وربما الجزائر.

كما ان الامر بات يحتاج موقفا مصريا اردنيا فلسطينيا أكثر صلابة وأعمق تنسيقا، والذهاب ليس الى الرفض فقط بل والمواجهة، لان استمرار التردد والصمت لن يكون حبل النجاة، بل سيكون بداية لمعضلات أشد خطراً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى