لماذا تحتاج أمريكا للصين بعد كل هذا التصعيد؟

بقلم: محمد أحمد سهيل المعشني..
في ذروة التصعيد العسكري والسياسي مع إيران، وبينما كانت واشنطن تتحدث بلغة القوة والردع واستعادة الهيبة، بدا المشهد وكأن الولايات المتحدة ما تزال تمسك وحدها بمفاتيح الأزمة. حاملات الطائرات في الخليج، الحشود البحرية، التهديدات المتبادلة، والعقوبات المتصاعدة.. كلها أوحت بأن العالم لم يغادر بعدُ لحظة الهيمنة الأمريكية الكاملة، حيث تتحرك القوة العسكرية باعتبارها المرجع النهائي للأمن والاستقرار.
لكن خلف هذا المشهد الصاخب، كانت حقيقة أكثر تعقيدا تتشكل بهدوء: واشنطن نفسها أصبحت بحاجة إلى بكين.
وهنا تحديدا تظهر إحدى أهم مفارقات الحرب الحالية. فالدولة التي تمتلك أعظم آلة عسكرية في العالم، وتقود أكبر منظومة تحالفات دولية، وجدت نفسها مضطرة للذهاب إلى الصين في لحظة اشتعال هرمز، ليس فقط لمناقشة التجارة أو الرسوم الجمركية أو الذكاء الاصطناعي، بل لأن استقرار الطاقة والأسواق العالمية بات يرتبط أيضا بدور صيني لا يمكن تجاهله.
هذا التحول لا يعني أن الولايات المتحدة فقدت قدرتها على التأثير أو إدارة النظام الدولي، لكنه يعيد تسليط الضوء على حدود أكثر تعقيدا في إدارة الاستقرار العالمي. فالحرب الأخيرة لم تخلق الترابط العميق بين القوة العسكرية والاقتصاد العالمي، لكنها أظهرته بصورة أكثر حدة في لحظة اضطراب هرمز. فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لإعادة تشغيل الاقتصاد العالمي، أو طمأنة الأسواق، أو حماية سلاسل الإمداد، أو إعادة السفن إلى هرمز وكأن شيئا لم يكن.
ولهذا، لم يكن غريبا أن تبدأ الصحافة الأمريكية والغربية بالحديث عن دور الصين في “تهدئة إيران”، أو في “إعادة الاستقرار للممرات البحرية”، أو في “منع انفجار اقتصادي عالمي”. فالصين اليوم ليست مجرد خصم تجاري لواشنطن، بل أصبحت أكبر مستورد للطاقة الخليجية، وأحد أهم الشركاء الاقتصاديين لإيران، والطرف القادر على التأثير في حركة الأسواق العالمية بصورة تجعل تجاهلها مكلفا حتى بالنسبة للولايات المتحدة نفسها.
لكن بكين لا تدخل هذا المشهد باعتبارها وسيطا خيريا يبحث عن الاستقرار المجاني. فالصين تدرك أن حاجة واشنطن إليها في لحظة اضطراب هرمز تمنحها أوراق قوة إضافية في ملفات أكبر، من التجارة والتكنولوجيا إلى تايوان والرقائق الإلكترونية. ولهذا، فإن ما يجري ليس مجرد تعاون اضطراري بين قوتين عظميين، بل مقايضة هادئة داخل عالم يتغير تحت ضغط الحرب والطاقة والأسواق.
وفي المقابل، تدرك إيران أيضا أن الصين ليست حليفا عقائديا مستعدا للدخول في مواجهة مفتوحة مع الغرب من أجلها، بل قوة براغماتية تحكمها المصالح أولا. ولهذا تبدو العلاقة بين بكين وطهران أقرب إلى اعتماد متبادل حذر، لا إلى تحالف كامل أو ثقة مطلقة. فالصين لا تريد انهيار إيران، لكنها لا تريد أيضا انفجارا إقليميا يهدد الاقتصاد العالمي الذي تعتمد عليه.
وهنا تتكشف إحدى أهم نتائج الحرب الحالية: العالم لم يعد يُدار بالقوة العسكرية وحدها، لكنه أيضا لم ينتقل ببساطة من هيمنة أمريكية إلى قيادة صينية بديلة. فما يجري أقرب إلى إعادة توزيع معقدة للأدوار داخل نظام دولي بات أكثر ترابطا وأقل قابلية للإدارة المنفردة.
ولهذا أيضا، تبدو زيارة دونالد ترامب إلى بكين أكثر من مجرد لقاء دبلوماسي عادي. إنها إشارة إلى أن الحروب الحديثة لم تعد تسمح بانتصارات نظيفة وسريعة كما كان يحدث في العقود الماضية. فكل تصعيد كبير بات يحمل داخله احتمالات ارتداد اقتصادي عالمي، وسلاسل من الفوضى المالية والتجارية، تجعل حتى القوى الكبرى مضطرة إلى التعاون في بعض الملفات، رغم اتساع التنافس بينها في ملفات أخرى.
ولهذا، لم يعد السؤال الحقيقي اليوم: من يملك أكبر قوة عسكرية؟ بل من يستطيع إدارة الاستقرار داخل عالم أصبح شديد الترابط، إلى درجة تجعل الفوضى في مضيق واحد قادرة على إرباك الاقتصاد العالمي كله؟
في هذا السياق، تبدو زيارة بكين وكأنها إشارة إلى أن النظام الدولي دخل مرحلة أكثر تعقيدا؛ مرحلة لا تختفي فيها القوة الأمريكية، لكنها تواجه حدودا أكثر تشابكا في إدارة الأزمات بمفردها.
فالحرب الأخيرة لم تكشف فقط هشاشة هرمز، بل أعادت التذكير أيضا بأن العالم أصبح مترابطا إلى درجة تجعل الخصوم مضطرين إلى التعاون حتى في ذروة الصراع. وربما تكون هذه واحدة من أكثر الحقائق إرباكا في المشهد الدولي الجديد: أن القوة التي تستطيع إشعال العالم، قد لا تكون وحدها قادرة على إطفاء كل حرائقه.



