بين التفاوض تحت النار ومصير لبنان بعد الحرب

بقلم: كريستينا شطح..
رغم المناخ الدبلوماسي الذي يُسوَّقُ بوصفه مدخلًا إلى تهدئة محتملة، فإنّ القراءة الفعلية لمسار التفاوض اللبناني-الإسرائيلي تكشف أنّ المنطقة ما تزال بعيدة عن أي تسوية مستقرة. فالمشهد لا يُقرأ بوصفه انتقالًا فعليًا من الصِّدام إلى السلام، بل باعتباره مرحلة انتقالية تُستخدم فيها السياسة كامتداد للمواجهة العسكرية. في هذه المرحلة، يسعى كل طرف إلى تثبيت وقائع ميدانية تمنحه أفضلية على طاولة التفاوض المقبلة. ومن هنا تبدو المفاوضات أقرب إلى إدارة للصراع ومنع تمدده، لا إلى إنهائه بصورة نهائية.
في هذا السياق، تقوم المقاربة الإسرائيلية على فكرة أساسية مُفادها أنّ التفاوض يجب أن يجري تحت الضغط العسكري المباشر، لا بالتوازي مع وقف شامل لإطلاق النار. فتل أبيب ترى أنّ استمرار العمليات الميدانية يمنحها قدرة أكبر على فرض شروطها وتحويل التفوق العسكري إلى مكاسب سياسية وأمنية طويلة الأمد. لذلك لا يُتعامل مع المسار السياسي باعتباره بديلًا من الميدان، بل كجزء من المعركة نفسها، تُدار فيه الأدوات العسكرية والدبلوماسية معًا.
ضمن هذا التصور، يتبلور مشروع أمني إسرائيلي يقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسة تُعدّ الحد الأدنى لأية ترتيبات مستقبلية في الجنوب اللبناني. المرتكز الأول هو إنشاء شريط أمني واسع جنوب الليطاني يكون خاليًا بالكامل من أي بنية عسكرية مرتبطة بحزب الله، بما يعيد إنتاج فكرة “المنطقة العازلة” لكن بصيغة أعمق وأوسع مما كان قائمًا بعد عام 2006. أما المرتكز الثاني فيتمثل في تثبيت حق تدخل عسكري مفتوح، جوًا وبرًا، ضد أي نشاط تعتبره إسرائيل تهديدًا مستقبليًا، وهو ما يعني عمليًا تكريس معادلة سيادة أمنية إسرائيلية فوق المجال اللبناني. فيما يرتبط المرتكز الثالث بمسار طويل الأمد يستهدف في نهايته تفكيك البنية العسكرية للحزب تدريجيًا، عبر الضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية.
غير أنّ المعضلة الأساسية تكمُنُ في أنّ إسرائيل لا تتعامل مع هذه الشروط بوصفها جزءًا من تسوية متبادلة، بل باعتبارها نتائج يُفترض أن يفرضها ميزان القوة الميداني. لذلك تبدو فكرة الانسحاب من المناطق التي جرى احتلالها في الجنوب مرتبطة مباشرة بتحقيق تغييرات بنيوية في الواقع الأمني اللبناني، لا بمجرد تفاهمات مؤقتة أو ترتيبات وقف نار تقليدية. بل إنّ المؤشرات الميدانية توحي بأنّ ما يجري يتجاوز السيطرة العسكرية المؤقتة نحو محاولة إعادة تشكيل الجغرافيا الحدودية نفسها، عبر توسيع نطاق المناطق المدمّرة وخلق فراغ سكاني وأمني دائم على امتداد الحافة الأمامية.
أما واشنطن، فتبدو كأنها تتحرك ضمن مقاربة تجمع بين الضغط والاحتواء في آن واحد. فمن جهة، تسعى الإدارة الأمريكية إلى استثمار الضغط العسكري لدفع المسار السياسي بسرعة نحو ترتيبات جديدة، لا فقط لتثبيت الهدنة، بل أيضًا لفتح الباب أمام صيغة أوسع قد تتدرج من تفاهمات أمنية إلى تفاهمات سياسية ذات طابع تطبيعي أو شبه تطبيعي. ومن جهة أخرى، تحاول الولايات المتحدة منع انفجار إقليمي شامل قد يربك ملفاتها في الخليج وإيران والطاقة الدولية. لذلك يظهر اتجاه أمريكي واضح لفصل الساحة اللبنانية عن مسار التفاوض مع طهران، بما يسمح بالتعامل مع لبنان باعتباره ملفًا مستقلًا يمكن انتزاع تنازلات فيه حتى لو بقيت الملفات الإقليمية الأخرى عالقة.
لكنّ هذا الفصل يثير قلقًا داخل البيئة الإقليمية المرتبطة بالمحور الإيراني، حيث تسود قناعة بأنّ أي محاولة لعزل الساحة اللبنانية عن سياقها الإقليمي ليست مجرد مقاربة تفاوضية، بل جزء من محاولة أوسع لإعادة تفكيك شبكة النفوذ الإقليمي تدريجيًا. ولذلك يُنظر إلى التفاوض الجاري ليس فقط بوصفه نزاعًا حدوديًا، بل أيضًا كجزء من إعادة رسم توازنات الشرق الأوسط بعد الحرب.
وفي الداخل اللبناني، لا تبدو الأزمة أقل تعقيدًا. إذ تواجه الدولة اللبنانية تحديًا بالغ الحساسية يتمثل في كيفية إدارة أي مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر وسط انقسام داخلي حاد حول طبيعة التفاوض وحدوده. فهناك قوى ترى أنّ أي نقاش سياسي يجب أن يبدأ بوقف كامل للنار وانسحاب إسرائيلي واضح، بينما تعتبر أطراف أخرى أنّ الانخراط في مسار تفاوضي قد يكون ضرورة لتجنيب لبنان حرب استنزاف طويلة وانهيارًا أشمل. هذا الانقسام يحدّ من قدرة السلطة على المناورة ويعقّد أي محاولة لتقديم موقف تفاوضي موحد.
وفي الوقت نفسه، ما يزال الميدان يفرض إيقاعه الخاص على الجميع. فالعمليات العسكرية لم تتوقف فعليًا حتى خلال فترات الحديث عن تهدئة مؤقتة، بل استمرت عمليات الهدم المنهجي للبنية العمرانية في القرى الحدودية، بما يعكس توجهًا يتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة نحو إعادة صياغة البيئة الجغرافية والأمنية للجنوب. كما تواجه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تحديات متزايدة مرتبطة بتطور أدوات حزب الله القتالية، وخصوصًا جيل الطائرات المسيّرة الصغيرة الموجّهة بالألياف البصرية، وهي منظومات تقلل فعالية التشويش الإلكتروني التقليدي وتفتح بابًا أمام نمط استنزاف منخفض الكلفة وعالي الفعالية.
وعليه تبدو المرحلة الحالية شديدة الهشاشة؛ فهي تجمع بين ضغط عسكري مستمر، ومسار تفاوضي غير ناضج، وقلق عربي من توسع الحرب، ومحاولات أمريكية لإعادة هندسة التوازنات الأمنية، وتناقضات داخلية لبنانية تعيق بلورة موقف موحد. لذلك لا يشير المشهد إلى اقتراب تسوية نهائية بقدر ما يكشف عن صراع مفتوح على شكل النظام الأمني والسياسي الذي سيحكم الحدود اللبنانية–الفلسطينية وربما المنطقة بأكملها بعد الحرب.
في المحصلة، لا يبدو ما يجري تفاوضًا بالمعنى التقليدي، بل صراعًا على معيار ما بعد الحرب: بين مشروع يسعى إلى فرض الوقائع بالقوة، ومشروع آخر يحاول منع تحويل هذه الوقائع إلى قواعد دائمة للنظام الإقليمي المقبل.



