اراء

إِما أن نُغيّر جميعا قواعد الاشتباك أو نقتل فُرادى

بقلم: وليد القططي..

أثناء حفر المسلمين الخندق في غزوة الأحزاب استعصت عليهم صخرة فتولى الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- كسرها بمعوله بثلاث ضربات، قال في كل ضربة على التوالي:” الله أكبر أُعطيت مفاتيح الشام… الله أكبر أُعطيت مفاتيح فارس.. الله أكبر أُعطيت مفاتيح اليمن”. فكان ذلك وعداً نبوياً بوحي إلهي بفتح الشام وفارس واليمن، رغم حصار وإطباق جيوش الأعداء الكفار على الدولة الإسلامية الوليدة من كل الاتجاهات، ليغرس في عقول وقلوب المسلمين اليقين بالنصر القادم.

ما بين الوعد النبوي الإلهي في عالم الغيب وتحققه في عالم الشهادة، مضت سنوات ممتدة لم ينتظر المسلمون خلالها على رصيف التأريخ حتى يتحقق الوعد، بل قاموا بدورهم في الفعل البشري لإنجاز الوعد، دورهم الذي يبدأ بالتخطيط والتجهيز وإعداد القوة للفتح، وينتهي بانطلاق الجيوش والجهاد بالسيف والقتال بالسلاح، ويمر بتقديم التضحيات ودفع الأثمان من الأرواح والدماء والأموال، حتى فتح الله لهم بلاد الشام وفارس واليمن وما بعدها من فتوحات وانتصارات.

هذه الفتوحات والانتصارات في مرحلة صعود الحضارة الإسلامية كانت ثمرة لتعامل المسلمين الأوائل مع الوعد الإلهي وفق المنهج الإسلامي، المنهج الذي ينسجم فيه القدر الإلهي مع الفعل الإنساني، من دون جحود وغرور من الإنسان يتجاهل دور القدر الإلهي، أو ركون وتواكل يُعطّل دور الفعل الإنساني، وهكذا ينبغي أنْ تكون قراءتنا ووعينا وعملنا لوعد الآخرة الذي ينتهي فيه علو وإفساد “إسرائيل” برأي كثير من علماء التفسير، لنصل بالفعل الإنساني إلى إنجاز الوعد الإلهي.

الفعل الإنساني لإنجاز الوعد يتطلب أنْ نقوم بدورنا في مشروع التحرير، دورنا كشعب فلسطيني وطليعته الثورية في حركات المقاومة، ودورنا كأمة إسلامية وطليعتها الحُرة في محور المقاومة، دورنا في مشروع التحرير كشعب وأمة.. تحرير فلسطين من الكيان الاستيطاني الصهيوني، وتحرير الأمة من الاستعمار الغربي الأمريكي… الدور الذي يبدأ من فلسطين بالنضال الوطني والمقاومة الشاملة والحرب الشعبية، وينتهي بالحرب الفاصلة التي تُحرر فلسطين من الكيان الصهيوني والأمة من الاستعمار الأمريكي.

ما بين الحرب الشعبية والحرب الفاصلة، وأثناء جولات الصراع المسلحة وبينها، ومع استمرار حالة الاشتباك والمُشاغلة، يُقدّم الشعب ومقاومته والأمة ومحورها تضحيات ويدفع أُثماناً وينتزع إنجازات، يُترجم بعضها إلى قواعد اشتباك أثناء الحروب والمعارك والعمليات وبينها، تنجلي من تحت نار الحروب وركام المعارك وغبار العمليات، قواعد اشتباك وظيفتها تحديد متى وأين وكيف يُمكن استخدام القوة العسكرية لضبط الصراع والسيطرة عليه بما يتوافق مع نتائج ميدان الصراع وأهداف السياسة.

قواعد الاشتباك بين الكيان الصهيوني والمقاومة في فلسطين ولبنان قبل حرب الإبادة الإسرائيلية كانت شبه متوازنة نسبياً كثمرة لتراكم التضحيات والإنجازات، وكمُخرج لتكامل صمود الشعب وقتال المقاومة، شعب صامد يتمسك بحقه في الحياة والوجود، ومقاومة مُقاتلة تتمسك بحقها في النصر والتحرير، فرسخ الشعب ومقاومته في فلسطين ولبنان بذلك الصمود والقتال نوعاً من توازن الردع النسبي بواسطة معادلات واضحة وصارمة، مثل: الدم مقابل الدم والهدم مقابل الهدم، “تل أبيب” مقابل بيروت وغزة.

بعد حرب الإبادة الإسرائيلية التي أعقبت (طوفان الأٌقصى) تغيّرت قواعد الاشتباك بين المقاومة والكيان الصهيوني لصالح الكيان، كنتيجة لاستراتيجية الإبادة والتدمير الوحشية المُحررة من كل القيود القانونية والأخلاقية والسياسية، وللإحساس بالخطر الوجودي ومصير الزوال من الكيان، ولسيطرة وهم حسم الصراع والنصر المطلق على قادة الكيان، ففرض بالنار والدمار قواعد اشتباك تسمح له بالقيام بكل الأعمال العسكرية الإرهابية ضد الشعب ومقاومته من دون رد يردعه أو خسارة تمنعه.

لا خيار عن تغيير قواعد الاشتباك الحالية مع العدو ومهما طال الزمن وعظُمت التضحيات والأُثمان، لأنَّ البديل سيكون أسوأ وهو التسليم بها، والتي تعني اشتباكاً من جانب واحد وانتظار الذبح إلى الذبح وقضم المقاومة بالتدريج حتى زوالها، وهذا يعني استبدال النهوض الجماعي لتغيير قواعد الاشتباك بالقتل الفردي التدريجي وصولاً إلى إنهاء ظاهرة المقاومة ضد الكيان الصهيوني والاستعمار الأمريكي داخل الأمة العربية والإسلامية، فإما أنْ ننهض جميعاً في محور المقاومة لتغيير قواعد الاشتباك مع الكيان الصهيوني أو نُقتل فُرادى.

النهوض الجماعي لتغيير قواعد الاشتباك يتطلب من محور المقاومة إرادة صلبة وخطة محكمة ومرونة ميدانية، والتغيير في أي جبهة يخدم الجبهات الأخرى… فصمود إيران وخروجها من الحرب الأميركية- الإسرائيلية مُنتصرة يؤدي بالضرورة إلى تغيير قواعد الاشتباك بينها وبين العدو الصهيو-أميركي لصالحها، وهذا يخدم جبهات المقاومة الأخرى، خاصة في فلسطين وكذلك الحال في اليمن والعراق وغيرهما.

تغيير قواعد الاشتباك لصالح الشعب ومقاومته في فلسطين ولبنان وكل محور المقاومة أو على الأقل العودة إلى توازن الرادع النسبي في المرحلة القادمة خطوة ضرورية لانطلاقة جديدة على طريق النصر نحو القدس… وبعدها سيأتي اليوم الذي سينهض فيه أحرار الأمة، وبندقيتهم موجهة نحو “إسرائيل”، وهم قادمون من طهران وبيروت وصنعاء وكل العواصم إلى القدس بوصلة المقاومة والتحرير، حيث يلتقي إنسان التحرير “عباداً لنا أولي بأسٍ شديد”، مع زمان التحرير “وعدة الآخرة”، ومكان التحرير “المسجد الأقصى والقدس وفلسطين”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى