العلاقات بين إيران وروسيا إلى الشراكة الاستراتيجية

بقلم: مختار حداد..
وقّع رئيسا الجمهورية الإسلامية الإيرانية وروسيا الاتحادية، على اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة في العاصمة الروسية موسكو، لتدخل العلاقات بين البلدين رسميًا مرحلة الشراكة الاستراتيجية الشاملة والمستدامة.. وهذه الاتفاقية ليست مجرد وثيقة، بل تعد خريطة طريق مستقبلية لتعزيز العلاقات بين إيران وروسيا في جميع المجالات.
وبحسب ما جاء في نص الاتفاقية، فإنها تغطي جميع المجالات بما في ذلك الدفاع ومكافحة الإرهاب والطاقة والمالية والنقل والصناعة والزراعة والثقافة والعلوم والتكنولوجيا.
خلال هذه السنوات، وخاصة الفترة الأخيرة وبذرائع مختلفة كانت تروج وسائل الإعلام الأمريكية والغربية والتي أوكلت إليها مهمة تخريب العلاقات الإيرانية-الروسية من واشنطن وحلفائها الغربيين، تروج الأكاذيب والإشاعات لاستهداف هذه العلاقات التي كانت في نمو مستمر، ولكن الزيارات واللقاءات المستمرة بين كبار مسؤولي البلدين والاستشارات المستمرة بينهما أفشلت هذه المساعي، وقد برزت مواجهة البلدين لهذه المساعي في مواقفهما المشتركة بشأن الملفات الدولية المهمة التي تواجه الأحادية الغربية-الأمريكية، وفي هذا الإطار شهدنا اتخاذ البلدين إجراءات اقتصادية مهمة ومواقف سياسية غاية في الأهمية.
العلاقات بين إيران وروسيا شهدت تعاونًا كبيرًا في مختلف المجالات، ومن أبرزها التعاون المشترك بين الجانبين في مكافحة الإرهاب الداعشي. وهذا التعاون لم يكن فقط في هذا المجال بل برز في الملف النووي الإيراني، وكذلك في ملف مواجهة الحظر الأمريكي والكثير من الملفات الأخرى التي يمكن ذكرها.
العلاقات بين إيران وروسيا إلى الشراكة الاستراتيجية
وتعود جذور هذه الاتفاقية إلى توقيع المعاهدة الأساسية للعلاقات ومبادئ التعاون بين إيران وروسيا في فترة رئاسة الرئيس الأسبق السيد محمد خاتمي عام 2000، حيث وافق عليها مجلس الشوری الإسلامي في عام 2001، وهذه المعاهدة كانت أساس تنمية وتعزيز العلاقات بين طهران وموسكو خلال العقود الأخيرة. وكان تجديدها يتم بشكل تلقائي كل 10 سنوات. واليوم تم إعداد هذه الاتفاقية الشاملة وتوقيعها، وهي تحديث واستكمال لتلك المعاهدة الأساسية. وقد بدأت عملية متابعة وإعداد هذه الاتفاقية العملانية خلال حكومة الشيخ روحاني وصولًا إلى المفاوضات بشأنها في حكومة السيد الشهيد رئيسي، وتم التوقيع عليها من جانب الرئيس السيد مسعود بزشكيان في الحكومة الرابعة عشرة.
هذه الاتفاقية الذي تم إعدادها على أساس 30 محورًا كما ذكرنا في بداية المقال تتناول كل أبعاد العلاقات بين البلدين في المجالات السياسية، الاقتصادية، النفطية، الغازية، البيئية، الزراعة، النقدية، المصرفية، التكنولوجيا والعلوم، الثقافة والسياحة، النقل، الاستثمارات، الأمن الغذائي، الأمنية، الدفاعية، القضائية. ولكن الأبعاد الرئيسة للاتفاقية هي في المجالات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والثقافية والسياحية. وعليه فمن المتوقع أن تنعكس هذه الاتفاقية نظرًا لأبعادها الاقتصادية كأولوية فيها إيجابًا على تعزيز وتعميق العلاقات والتعاون الاقتصادي بين البلدين كأساس في هذه الشراكة الاستراتيجية.
فمثل هذه الاتفاقيات هي حق للدول على أساس ميثاق الأمم المتحدة، ولذلك تعد اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين إيران وروسيا، اتفاقية مبنية على أساس المصالح المشتركة، وهي اتفاقية متوازنة ومتساوية المصالح بين البلدين، ومن الناحية القانونية تم في هذه الاتفاقية احترام وتطبيق مبادئ القانون الدولي.
وعلى الرغم من التحركات الغربية في إطار الحملات الإعلامية التي كانت تستهدف دومًا هذه العلاقات المتطورة بين طهران وموسكو، فإن هذه الاتفاقية لم تستهدف أية دولة أخرى ولم تتعارض في مجالات التعاون مع الدول الأخرى، بل على العكس تمامًا، فقد تعزز الأمن والاستقرار الإقليميين والدوليين من خلال هذا التعاون المشترك بين إيران وروسيا كدولتين مهمتين على المستوى الدولي.
إن التعاون بين إيران وروسيا وكذلك الدول الأخرى، خاصة ما نشهده في إطار التعاون في منظمتي شانغهاي والبريكس، يواجه المساعي الأمريكية لخلق نظام القطب الواحد، الأمر الذي يطرح اليوم نهاية عصر الدولار الأمريكي وظهور القوى الجديدة في هاتين المنظمتين اللتين يشكل أعضاؤهما اليوم معظم الاقتصاد العالمي.
كما أن هذا التعاون بين إيران وروسيا على أساس هذه الاتفاقية لم يكن تعاونًا قصيرًا أو تكتيكيًا بل شراكة استراتيجية طويلة الأمد.
لذلك ستكون هذه الاتفاقية مرحلة جديدة من التعاون بين إيران وروسيا باتجاه الشراكة الاستراتيجية التي ستنعكس إيجابًا على مجالات التعاون بين البلدين خاصة في المجالات الاقتصادية وكذلك ستكون أنموذجًا للتعاون الثنائي لبقية الدول، فمثل هذه الاتفاقيات إلى جانب انعكاسها الإيجابي على الدولتين اللتين توقعان عليها، ستنعكس إيجابًا على تعزيز التعاون بين دول الإقليم والتعاون الدولي من أجل التنمية المستدامة. وهنا نذكر العلاقات الاستراتيجية بين إيران والصين أنموذجًا وكيف كان تأثيرها في الملفات الأخرى، عندما قامت الصين بوساطة، استمرارًا لما قام به العراق، أدت في نهاية المطاف إلى عودة العلاقات بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمملكة العربية السعودية.
الشراكة الاستراتيجية بين إيران وروسيا هي مرحلة جديدة وتأريخية في العلاقات بين البلدين، سنرى نتائجها الجيدة قريبًا على علاقات البلدين، وحتى على المستوى الدولي.



