هل نخشى جحيم أمريكا بعد أن واجهنا جرائم إسرائيل؟

بقلم: د. لينا الطبال..
ولكن مَنْ يبالي؟ في غزة، حيث يستشهد الأطفال والمدنيون، يتكدّس السكان في خيام ممزقة، بلا أغطية أو ملابس دافئة، محرومين من أبسط مقومات الحياة. الغذاء شحيح، الدواء نادر، والبرد نفسه بات سلاحا آخر للإبادة، طبعا لا يزعج مشهد الموت هذا والدمار، العديد من الإسرائيليين.. والعرب أيضا.. وكل العالم.
انظروا إليهم على شبكات التواصل الاجتماعي، كيف يفرحون علنا بموت أطفالنا في غزة، ينشرون تعليقات شماتة وسخرية من الضحايا.. تدوينات على جدران افتراضية لمجازر حقيقية، أي اضطراب نفسي قد يدفع الى هذا الخواء الأخلاقي؟ ممارسة العنف على الآخر حتى لو كان افتراضيا هو بحد ذاته عنف.
منذ قيام إسرائيل، سعى مؤسسو الكيان إلى تفريغ غزة من سكانها وطرحوا خططا ومسميات عديدة منها تقليل “عدد السكان”، “إخلاء المنازل”، “النقل”، “الترحيل”، “التهجير”، وحتى “الترانسفير”. هذه المصطلحات كانت محورا لنقاشات رسمية خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.
كان موشيه دايان، وزير الدفاع الأسبق، هو أول من طرح علانية عام 67 فكرة ضم قطاع غزة إلى إسرائيل.. وخلال حكومتي اشكول وغولدامائيير تم اعتماد استراتيجية استيطانية تهدف إلى فرض السيطرة الكاملة، مع تجاهل وجود السكان الأصليين وحقوقهم التأريخية.
لكن المشكلة التي واجهت اسرائيل انحصرت في سؤال واحد: كيف نتخلص منهم؟ ماذا سنفعل بـ400 ألف فلسطيني يقيمون في غزة؟ سؤال تتالت حوله الاقتراحات، هل نقوم بترحيلهم إلى صحراء سيناء والعريش، لما لا يتم نقلهم إلى الضفة الغربية والأردن، أو حتى تهجيرهم إلى دول ما وراء البحار مثل كندا وأستراليا.
ليفي أشكول نفسه قال بوضوح: “فلندبر أمرهم خارج إسرائيلنا، لكن كيف؟ هل نقطع عنهم المياه؟ ستذبل بساتينهم وتصفر؟ أو نشجعهم على الهجرة عبر حرمانهم من العمل أو عبر حرب جديدة؟ يمكننا أيضا شراء ممتلكاتهم بأسعار باهظة.
“قراراتي غيرت الشرق الأوسط”، هكذا تباهى بنيامين نتنياهو أمام أعضاء الكنيست، مستعرضا الدمار الذي الحقه بحماس وحزب الله وسوريا. لكن، وبينما كان يُعلن النصر، كان جنوده يتساقطون قتلى في شوارع غزة.
“قل لي، يا نتنياهو، هل راجعت حساباتك جيدا؟ المقاومة في غزة قادرة على استنزاف جيشك عاما آخر على الأقل، بمرونتها التكتيكية وقدرتها على إدارة معارك طويلة الأمد، رغم كل ما ترسله من نيران، فاستمرار القصف الوحشي لم ينجح في كسر إرادة المقاومة حتى اليوم”.
وتسألني إلى متى سيظل المجتمع الدولي متخاذلا؟.
القوى السياسية اليوم، بمصالحها المتشابكة، تحمي نتنياهو من المساءلة، لكنها لن تتمكن من الوقوف طويلا في وجه عدالة الشعوب، تلك العدالة التي قد تبدو بطيئة، لكنها في النهاية تطبق.. لا تنسوا أبدا، هذا الرجل صدرت بحقه مذكرة اعتقال جنائية دولية، وهو رسميا مجرم حرب. وهذه حقيقة لا لبس فيها، كما ان الإفلات من العقاب لن يستمر للأبد.
إسرائيل، التي لطالما تصرفت وكأنها فوق القانون، تعيش اليوم حالة من الذعر القانوني مع تزايد هذه الدعاوى الدولية ضد جنودها باتت تحذر مواطنيها بعدم مغادرة البلاد خشية الملاحقة القضائية.. كما حدث مؤخرا في البرازيل.
بينما ينشغل العالم بإزالة التصنيفات الإرهابية عن بعض الفصائل في سوريا، يغض الطرف عن ضحايا الإرهاب الحقيقيين الذين يسقطون يوميا تحت قصف الطائرات والميركافا الإسرائيلية في غزة.. غياب سلطة واضحة في دمشق يعيد رسم مشهد القوى الإقليمية وقد يرفع منسوب الفوضى في المنطقة، بينما يبقى الوضع في لبنان على حافة الانفجار في أية لحظة.
في لبنان يتم انتخاب رئيس للجمهورية تحت أزيز المسيّرات الإسرائيلية فوق بيروت، وتعمد خرق الدستور، وسط تركيبة سياسية تشير إلى اخضاع البلاد للوصاية الأمريكية.. فهل يُكمل الرئيس المنتخب المشهد بلقاء أحمد الشرع، القيادي السابق في جبهة النصرة، والمتهم بتورطه في قتل جنود من الجيش اللبناني؟ مصافحة قاتل جنودنا، أي موقف عبثي أكثر من ذلك يمكن أن نشهده؟.
في مقابل أوطان منقوصة السيادة، تثبت المقاومة قدرتها على الصمود رغم التفوق العسكري لخصومها. في اليمن، يواصل الحوثيون ترسيخ موقعهم كقوة اقليمية في وجه إسرائيل وأمريكا، بينما إسرائيل، لا تزال رهينة عقلية استيطانية واهمة، معتقدة أن هذه المرة يمكنها من السيطرة على المنطقة، لكن التصعيد القادم قد يقلب حساباتها رأساً على عقب.
هذا الضغط المتزايد والمصحوب بتهديدات ترامب بفتحه أبواب الجحيم ينذر بانفجار شامل قد يمتد ليشمل المنطقة بأسرها، مهدداً استقرارها الهش ومؤججا للمزيد من الصراعات.
لكن مهلا، هل يعتقد ترامب أن تهديداته سترهب أهل غزة؟ أولئك الذين واجهوا جحيم الاحتلال الإسرائيلي، حيث لا جحيم أشد وأقسى من نار القصف والحصار… وجحيم إسرائيل بالنسبة لهم أشد وأقسى من جحيم أمريكا.
القوة بالعبرية تعني “عَزّاَ”، و”عَزَّا” هو أيضا الاسم العبري لغزة. هل يمكن أن يكون هذا مجرد مصادفة؟ لقد كانت غزة دائما تحمل في اسمها هذه الرسالة القوية عن الشجاعة والصمود، على الرغم من كل ما تعرّضت له من عدوان وحصار وابادة، لا تزال تقاوم بشجاعة وتثبت أنها قوية لا تهزم. وان المسار المليء بالتضحيات يؤدي حتماً الى النصر.



