اراء

الحالة الترامبية على وقع العودة الى البيت الابيض..

بقلم: اسيا العتروس..
خلال أسبوعين يعود الرئيس المنتخب دونالد ترامب الى البيت الابيض لاربع سنوات لن يكون بالامكان التكهن بما ستؤول اليه من خيارات للادارة الامريكية الجديدة خاصة في منطقة الشرق الاوسط وحرب الابادة المستمرة في غزة وما يجري في سوريا بعد الانهيار السريع للنظام السوري الذي يفترض أن يكون درسا بليغا لكل الانظمة المستبدة التي اغرتها السلطة وأعمت بصيرتها عن مصلحة الاوطان و الشعوب.. عودة ترامب التي ينتظرها قادة العالم بكل توجهاتهم لن تغير في قناعتنا العالم نحو الافضل ولن تفع الى التقليل من حجم الظلم والتوحش الذي نعيش على وقعه بل ربما تدفع الى مضاعفة ما يشهده العالم من فوضى وهيمنة الاقوى على الاضعف كما يحدث في قطاع غزة منذ ستة عشرة شهرا من ابادة ودوس على القيم الكونية للعدالة الدولية.. هذه المقدمة من شأنها أن تعيدنا الى استعادة ما حدث في الساعات القليلة الفاصلة بين السنة الماضية 2024 والسنة الجديدة 2025 ونقصد العمليتين الارهابيتين من نيواوليونز الى لاس فيغاس.. صحيح أن الكثير من الاسئلة لا تزال بلا أجوبة ولكن عملية نيواورليونز الارهابية أعادت الى الاذهان الى الاذهان سلسلة عمليات مماثلة نفذها جنود أمريكيون سابقون ضد مواطنيهم وخلفت من الضحايا والماسي والدماء ما يجعل الارهاب الامريكي المحلي خطرا قائما مع مختلف الادارات الامريكية وهو خطر يصعب استباقه أو اجتثاثه كليا، والامر سابق لهجمات 11 سبتمبر2001 التي استهدفت واشنطن ونيويورك والتي ستغير العالم وتدفع امريكا الى اعلان حرب عالمية على الارهاب وتدفع بعد تلك الهجمات الى احتلال افغانستان ثم العراق أكثر من عقدين بدعوى القضاء على الارهاب ثم تحقيق التغيير السياسي ونشر الديموقراطية والحرية ليتضح اليوم أنه لا الارهاب اختفى من العالم ولا الديموقراطية الموعودة تحققت ..
وربما وجب التذكير بعد عملية نيو اورليونز أن أخطر هجوم ارهابي محلي في أمريكا كان هجوم اوكلاهوما سيتي الذي حدث في 1995 ونفذه تيموتي ماك فيه الذي تمكن من قتل 168 شخصا وجرح المات.. وهو أيضا جندي سابق وقد عقب ذلك نشر الكثير من الكتب والدراسات حول مخاطر هذه الظاهرة، وكان أهمها كتاب بعنوان “ارهابيون أمريكيون تيموتي ماك في وتفجير اوكلاهوما سيتي” وضعه صحفيان استقصائيان تابعا التحقيقات في تلك العملية واعتمدا نحو ثلاث مائة حوار لفهم ما حدث وتوثيق ورصد الاسباب والدوافع وراء تلك العملية ,والكتاب أشبه برحلة في عقل ماك فيه ولكنها لا تجيب عن كل الاسئلة المرتبطة بتلك العملية الارهابية والتي تلتها عمليات كثيرة بينها عملية تكساس التي نفذها طبيب نفساني عسكري أصبح متشددا بعد سلسلة من الاستماعات لشهادات جنود مرضى على خلفية ممارسات في افغانستان والعراق وما افرزته لديه من احساس بالظلم والقهر بسبب ممارسات الجيش الامريكي والتنكيل في حق الجنود..
وبالنظرالى ما سبق يبقى السؤال المطروح أين تتنزل عملية نيو أورلينز التي نفذها شمس الدين جبار والتي تزامنت مع عملية اخرى في لاس فيغاس نفذها ماتيو لايفسبيرغر.. سيكون من السطحية بل السذاجة اعتبار أن الخصاصة والفقر دفعت جنود امريكيين سابقين الى اقتراف ما اقترفوه، والاكيد أن اعتماد هذا السبب وحده لتفسير تواتر الظاهرة سيكون مجانبا للصواب ومحاولة للهروب الى الامام وتجاهل الاسباب الحقيقية التي يمكن أن تحول جنديا سابقا امن بقيم مؤسسته العسكرية والتزم بها الى ارهابي بمجرد انتهاء مهمته ..

بعض التقارير المرتبطة بمكتب التحقيقات الفيدرالي تحذر من أن هذه تهديدات الارهاب المحلي ستستمر في ضوء تفاقم الصراع في الشرق الاوسط.. الرئيس الامريكي جو بايدن اعتبر ان منفذ العملية يتبنى افكار تنظيم داعش الارهابي.. والرئيس المنتخب ترامب تعجل في الحكم وحمل العملية للهجرة غير الشرعية محور انتصاره في الانتخابات.. ولم يكلف بايدن أو ترامب نفسيهما مسؤولية مواجهة الحقيقة المتعلقة بتورط مواطن أمريكي ولد ونشأ في أمريكا وعمل في صفوف جيشها هذه العملية الشنيعة أو ما اذا يمكن أن تخفي وراءها عناصر اخرى في صفوف الجيش الامريكي قد تكون مدفوعة الى تنفيذ مثل هذه العمليات الارهابية لاي سبب كان.. تعليقات كثيرة رافقت عملية نيو اورليونز ولاس فيغاس وهي تعتبر أن ما يرافق مهمات الجيش الامريكي من خروقات في تدخلاته الميدانية من افغانستان الى العراق يمكن أن تكون سببا أساسيا في دفع محاربين قدامى الى اقتراف ما يقترفونه لعدة أسباب من الاهمال الى الاحساس بالانهيار والذل والمهانة بعد نهاية الخدمة العسكرية وصولا الى الاحساس بالذنب والتورط في هجمات واسعة طوال سنوات من التواجد في افغانستان والعراق.. ولاشك أن نفس هذه المشاعر قد تتكرر أكثر بالنظر الى تورط الجيش الامريكي في دعم وتمويل جيش الاحتلال الاسرائيلي في منطقة الشرق الاوسط وتحديدا في المحرقة المفتوحة في غزة والضفة ولبنان ولاحقا في سوريا وهي مسائل لا تخفى على أعين مراقب ولا تتعلق بدين معين اوايديولوجيا معينة بل يمكن أن تكون نتيجة حتمية للتضارب الحاصل بين الاهداف والقيم الانسانية التي تدعي الادارات الامريكية المتعاقبة الدفاع عنها وبين ما يحدث على أرض الواقع وما يرتكب من جرائم وفظاعات وابادة جماعية في حق الفلسطينيين بدعم أمريكي معلن سواء عبر مقصلة الفيتو الامريكي في مجلس الامن او عبر الدعم العسكري اللامحدود لكيان الاحتلال الاسرائيلي ليواصل قتل وابادة الاطفال والنساء والمصابين والمرضى ويستهدفهم في المخيمات والمستشفيات وسيارات الاسعاف حتى لم يعد لهم مكان امن يلجأون اليه.. والارجح أنه بعد انقضاء نحو اسبوع على العمليتين فان الكثير من الغموض يبقى سائدا حول أسباب ودوافع ما حدث وحول ما يمكن أن يدفع جنديا أمريكيا سابقا الى التحول من موقع “البطل” على الاقل في نظر عائلته ومواطنيه الى ارهابي قاتل ..
العنصر المشترك بين العمليتين من نيواورليونز الى لاس فيغاس أن منفذي العمليتين من المحاربين القدامى وسبق لهما العمل سنوات في صفوف الجيش الامريكي وحصلا على ميداليات ونياشين لقاء ما ابدياه من ولاء وانضباط.. السلطات الامريكية لم توضح ما اذا كان هناك أي صلة بين العمليتين بمعنى أنها لم تنفي ولم تؤكد أيضا وجود صلة، وربما لا يزال من السابق لاوانه التوصل الى نتيجة قطعية في هذا الشأن ..
الحقيقة أننا ازاء عمليتين من تنفيذ مواطنين أمريكيين ولدا ونشأ في أمريكا وتعلما في مدارسها وجامعاتها، أحدهما وهو شمس الدين جبار من عائلة من أصول مسيحية قبل أن يعتنق الاسلام تم تصفية جبار خلال المواجهات مع رجال الامن ليحمل بذلك معه سره الى الابد حول ملابسات ودوافع وأهداف العملية وحول امكانية وجود شركاء من عدمه.. لكن تبقى بعض المعطيات المتوفرة مهمة جدا ويمكن أن تساعد في قراءة جزء من الغموض وأن منفذا عملية نيو أورليونز ولاس فيغاس قد لا يكونان مجرد ذئاب منفردة وأن الجيش الامريكي قد يكون البؤرة التي لا تريد أمريكا رفع الغطاء عنها واعادة تحديد اولوياته وأهدافه في رسم النظام العالمي الجديد.. سيكون من المهم فهم توجهات ترامب في التعاطي مع الجماعات الاسلامية المتطرفة المصنفة على القائمة السوداء للارهاب..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى