اراء

تركيا تعزز الجبهة الداخلية.. عودةً للانفتاح على الأكراد

بقلم: هدى رزق..

بعد أيام من مصافحته ممثلي حزب “مساواة وديمقراطية الشعوب”، وهو خليفة حزب “الشعوب” الديمقراطي والواجهة الحالية للتيار الكردي المرتبط بحزب “العمال” الكردستاني، دعا رئيس “الحركة القومية” دولت بهشلي وحليف الرئيس التركي أردوغان عبد الله أوجلان القابع في سجن ايميرلي إلى إلقاء خطاب في البرلمان التركي أمام كتلة حزب “مساواة وديمقراطية الشعوب” البرلمانية “يعلن فيه نهاية الإرهاب تماماً وحلّ المنظمة”، داعياً إلى “سياسة بلا إرهاب” وإلى “إخراج مشكلة الإرهاب التأريخية والثقيلة من جدول أعمال تركيا” مقابل الحصول على “حق الأمل” الذي تنص عليه المادة الثالثة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. بدا صوته فعالاً على الجماهير التي تحتاج إلى الإقناع، لكن الواضح أن الدافع  الرئيسي هو تعزيز الجبهة الداخلية.

طرحت الأسئلة حول الانفتاح، هل ستتخذ أنقرة خطوات سياسية وقانونية لجعل الأمر ذا معنى؟

لكن بعد 24 ساعة، حصل هجوم إرهابي على شركة “توساش” للصناعات الدفاعية. حمل الهجوم الإرهابي على شركة صناعات الطيران والفضاء في العاصمة أنقرة دلالات واضحة على ارتباطه باحتمالات العودة إلى مسار سياسي داخلي فيما يتعلق بالمسألة الكردية، في ظل الخلافات المعروفة في التيارات المنضوية تحت مظلة “العمال” الكردستاني.

الأسباب الداخلية لهذه الخطوة

في إطار البحث في التعديل الدستوري كان الرهان قوياً على التعاون بين حزبي “العدالة والتنمية” و”الشعب الجمهوري”، بيد أن الفشل في هذا المسعى شكّل دافعاً قوياً لانفتاح التحالف الحاكم على الحزب الكردي، وهناك دوافع متعددة للانفتاح تجاه الحالة الكردية، أولها حاجة أردوغان إلى تعديل الدستور ما يتطلب فتح مسارات حوار مع أحزاب المعارضة، ويؤدي إلى تخفيف حدّة الاستقطاب بين الحالة السياسية الكردية والدولة.

في كل المناسبات الانتخابية، كان أردوغان بحاجة إلى أصوات الأكراد، وكان من المنطقي أن تبتكر حكومته استراتيجية للتعامل معهم، كانت تركيا قد أجرت محادثات سلام مع أوجلان و”العمال” الكردستاني منذ عام 2012، لكن هذه العملية انهارت في تموز 2015، وهو ما أشعل فتيل الحقبة الأكثر دموية في الصراع بين الطرفين.

توقع حل حزب “العمال” الكردستاني لنفسه أمر غير واقعي. سيرمي أوجلان الكرة إلى قنديل بشأن القضايا التي يعرف أنه لن يتم الاستماع إليها، قنديل قادر أيضاً على فتح مساحة لنفسه ويرى أن “القيادة أسيرة وتحت الضغط”.. ومع ذلك، كما قال بهجلي، إذا جاءت دعوة أوجلان من قاعة البرلمان، فهذا يعني أن القرار بين قنديل وإيميرلي قد نضج مسبقاً، وإلا فلن تدخل الدولة ولا أوجلان هذه الكرة.

تدفع الهواجس الإقليمية أحزاب الحكومة لكي تفتح أبواب الحوار مجدداً مع أحزاب المعارضة الكردية. كانت أنقرة تجري مناقشات داخلية حول ما يجب القيام به بشأن حزب “العمال” الكردستاني، وما يسمّى بالقضية الكردية، وكان من المقرر منذ أشهر التوصل إلى نهج جديد في التعامل مع أوجلان وحزبه. وجود مسار سياسي جديد بخصوص المسألة الكردية في البلاد، بعد توقف المسار السابق في 2015، لكن أي مسار لإعادة إحياء عملية السلام بين الدولة و”العمال” الكردستاني يتطلب توفر كثير من العوامل وهي متشابكة، ولا تقتصر على الحالة الكردية الداخلية. بل تتعامل الحكومة مع حزب “العمال” على أنه مظلة لأحزاب تركية عديدة ومنها من لا يوافق على السلام مع تركيا، إلا أن حزب “مساواة وديمقراطية الشعوب” يبدو منفتحاً على الحوار مع الحكومة، لكنه ما يزال يؤكد أن المسار يجب أن يكون تحت مظلة البرلمان، بإشراف بقية الأحزاب بسبب انعدام الثقة بين الأحزاب الكردية والحكومة.

الأسباب الخارجية إقليمية

يتحدث الرئيس التركي منذ أسابيع عن ضرورة “تمتين الجبهة الداخلية” لحماية تركيا من الأخطار الخارجية التي باتت تتهددها مع “السياسات التوسعية لإسرائيل في المنطقة” على حد تعبيره، وتزايد احتمالات الحرب الإقليمية، حسب وزير الخارجية هاكان فيدان. تريد أنقرة أن تحل بشكل استباقي أي أزمة تنتج عن دولة كردية تنشأ بالقرب من حدودها، في حال فكرت الولايات المتحدة بسحب قواتها من سوريا  وإذا فاز دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية.

أنقرة لا تريد منطقة كردية مستقلة يمكن أن تكون نموذجاً للأكراد الذين يعيشون في تركيا. وبالتالي، هي تريد أن تجعل تركيا أكثر أمناً، المتغيرات الحاصلة في الإقليم هي التي تقف وراء فتح أبواب الحوار، إلا أن الهجوم الإرهابي على شركة صناعات الطيران والفضاء (توساش) في أنقرة، طرح  تساؤلات عن طبيعة المكان المستهدف والتوقيت، إذ كان أردوغان حاضراً  في مدينة  قازان عاصمة تترستان الروسية في قمة “بريكس”، وبالتوازي مع تطورات إقليمية واحتمالات توسع العدوان الإسرائيلي في المنطقة، ما يحمل دلالات ورسائل عديدة، التطورات الإقليمية لا تقل أهمية عن الاعتبارات السياسية الداخلية وهي متداخلة. النقطة التي يجب النظر إليها هنا هي التطورات الجديدة في الشرق الأوسط.

تصميم “إسرائيل” على تصعيد الصراع نشط رغبة أردوغان في التطبيع مع دمشق. لكنه اصطدم بالخطوط الحمر الأميركية التي لا تريد انسحاباً للقوات التركية إو إيقاف دعم الجماعات المسلحة، وتطالبها بالعودة إلى حلّ المشكلة الكردية في الداخل التركي وتشكيل تحالف مع الأكراد في سوريا.

أما محاولة التطبيع مع سوريا للتخلص من ضغوط اللاجئين وتفكيك هيكل الحكم الذاتي بحكم الأمر الواقع فلم تنجح؛ لأن التطبيع مع دمشق لن يكون متبادلاً من دون انسحاب القوات التركية، أصبح من الواضح أنه ما دامت الولايات المتحدة في شرق الفرات، لا يمكن أن يكون هناك مخرج. تضغط واشنطن على عدم انسحاب تركيا من اللعبة في سوريا حتى لا يعدّ نصراً لروسيا وإيران وسوريا.

وتشكل مسألة الانسحاب الأميركي بالتوازي مع الاتفاق الأمني الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة أزمة بالنسبة إلى تركيا، فإنه بموجب الاتفاق، ستغادر بعض القوات الأميركية العراق بحلول أيلول 2025، بينما ستغادر البقية بحلول نهاية عام 2026. وتقع القاعدة، التي من المتوقع أن يتم إخلاؤها بالكامل بحلول أيلول 2025، في عين الأسد، غرب محافظة الأنبار، وهو أمر مهم أيضاً للعمليات في سوريا. ومع ذلك، يقول الأميركيون إنهم سيركزون على القاعدة في أربيل وسيبقون في سوريا. لكن تقليص الوجود العسكري في العراق قد يجعل من الصعب الاحتفاظ بقوات في سوريا.

إذا تم وضع معادلة جديدة وألقى “العمال” الكردستاني سلاحه، فإن أنقرة ستنظر إلى الإدارة الذاتية على أنها قضية داخلية سورية، هل يعني هذا الموقف أن تركيا ستنسحب من الصراعات التي تتورط فيها خارج حدودها؟ أم أن الأمر كله يتعلق بالتكيف مع الاقتراح الأميركي لصفقة جديدة؟ وبطبيعة الحال، يمكن للولايات المتحدة أن تسند دور الوصي في النظام الجديد إلى تركيا إذا أصبحت خالية تماماً من المشكلة الكردية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى