اخر الأخباراوراق المراقب

تحرير ارادة‌ الاُمة‌

يستخدم‌ الطغاة‌ عادة‌ سلاحين‌ مؤثرين‌ في ‌وجه‌ تحرّك‌ الاُمة‌ وتمردها ورفضها للظلم‌:
وهما سلاح‌ (الارهاب‌) و (الافساد)، ومن‌ خصائص‌ هذين ‌السلاحين‌، انهما يسلبان‌ الاُمة‌ الارادة‌ والقدرة‌ علي‌ التحرك‌ والوعي ‌والادراك‌.
ومن‌ اولي‌ مستلزمات‌ كل‌ حركة‌ (الوعي‌) و(الارادة‌)، وعندما يفقدالانسان‌ بصيرته‌ وارادته‌ يفقد كل‌ قدرة‌ للتحرّك‌، ويستسلم‌ للواقع‌ الفاسد، ويتكيّف‌ معه‌، وعند ذلك‌ يسيطر الطاغية‌ وفئته‌ علي‌ ارادة‌ الاُمة‌ ووعيها ومصيرها، وحتي‌ علي‌ ذوقها واخلاقها واعرافها، ويتم‌ مسخ‌ شخصية ‌الاُمة‌ بصورة‌ كاملة‌ في ‌كل‌ ابعادها، ويتحكّم‌ الطاغية‌ في‌ كل‌ شي‌ء في‌ حياة ‌الاُمة‌، ولا تملك‌ الاُمة‌ تجاه‌ الطاغية‌ غير الطاعة‌ والانقياد والاستسلام‌.
والي‌ هذه‌ الحقيقة‌ يشير القران‌ الكريم‌ في‌ علاقة‌ فرعون‌ بقومه ‌وعلاقتهم‌ بفرعون‌: (فَاسْتَخَف‌َّ قَوْمَه‌ُ فَأَطَاعُوه‌ُ انَّهُم‌ْ كَانُواْ قَوْماً فاسقِين‌َ).
إن‌ّ فرعون‌ تمكّن‌ من‌ ان‌ يستخف قومه‌، وان‌ يسلبهم‌ وعيهم‌ وارادتهم‌ وقيمهم‌ بالإرهاب‌ والافساد؛ وبذلك‌ تمكّن‌ من‌ ان‌ يمسخ ‌شخصيتهم‌ مسخاً كاملاً، واستأصل‌ من‌ نفوسهم‌ كل‌ قدرة‌ علي‌ الوعي ‌والتفكير، فضلاً عن‌ الارادة‌ والمقاومة‌ والرفض‌. وبهذه‌ الصورة‌ استطاع ‌فرعون‌ ان‌ يكسب‌ طاعتهم‌، (فأطاعوه‌).
وهذه‌ الطريقة‌ هي‌ الطريقة‌ المفضّلة‌ لائمة‌ الضلال‌ في‌ اكتساب‌ طاعة ‌الناس‌ وولائهم‌، ويقوم‌ هذا الولاء والطاعة‌ عادة‌ علي‌ حطام‌ شخصية‌ الاُمة‌.
عند ذلك‌ يعيش‌ الحكّام‌ من‌ ائمة‌ الضلال‌ في‌ راحة‌ تامة‌ من‌ ناحية‌ الرعيّة‌، لايقلقهم‌ شي‌ء من‌ جانبهم‌، ويتحول‌ الناس‌ الي‌ قطيع‌ من‌ المتملقين‌ والمتزلفين‌ والراضخين‌، وينقلب‌ في‌ نفوسهم‌ الوعي‌ والإرادة ‌الي‌ الاتجاه‌ الذي‌ يطلبه‌ الحكّام‌، فيحبّون‌ ما احبّوا ويريدون‌ ما ارادوا، وهكذا تتم‌ عملية‌ المسخ‌ والانقلاب‌ في‌ شخصية‌ الاُمة‌. وبهذه‌ الصورة‌ تتكون‌ في‌ الاُمة‌ طبقتان‌:
1 ـ طبقة‌ المستكبرين‌: وهم‌ الحكّام‌ من‌ ائمة‌ الضلال‌ ومن‌ يرتبط‌ بهم ‌ومن‌ ينتفع‌ منهم‌ من‌ «الملا»، الذين‌ يستعلون‌ علي‌ الناس‌، ويستكبرون ‌في‌ الارض‌، ويتحكّمون‌ في‌ حياة‌ الناس‌ وارادتهم‌ ومصيرهم‌، وحتي‌ اذواقهم‌ واخلاقهم‌، ويضعون‌ انفسهم‌ في‌ مركز السيادة‌ والحاكمية‌ من‌ حياة‌ الانسان‌ من‌ دون‌ الله، ويستعلون‌ علي‌ الناس‌ ويفسدون‌ في‌ الارض‌،وهؤلاء هم‌ الطاغوت‌، الذين‌ يتجاوزون‌ حدود العبودية‌ والطاعة‌ لله تعالي‌ الي‌ الاستكبار والسيادة‌ والحاكمية‌ من‌ دون‌ الله، والافساد في‌ حياة‌ الناس‌.
2 ـ طبقة‌ المستضعفين‌: الذين‌ يستخفّهم‌ الطاغوت‌ (يسلبهم‌ ثقلهم ‌في ‌موازين‌ الانسانية‌)، ويستضعفهم‌ (يسلبهم‌ القدرات‌ والإمكانات ‌والكفاءات‌ التي‌ منحهم‌ الله تعالي‌ لهم‌)، وتتحول‌ هذه‌ الطبقة‌ الواسعة‌ الي ‌طبقة‌ تابعة‌، ومنقادة‌، ومستسلمة‌ للأمر الواقع‌، وتفقد خصائصها وقيمها الانسانية‌ كافة‌، وتتحول‌ الي‌ اداة‌ طيّعة‌ لتنفيذ كل‌ ما يمليه‌ عليها الطاغوت‌.
واوّل‌ ما تفقد هذه‌ الطبقة‌ وعيها وارادتها، ومن‌ ثم‌ تفقد كل‌ شي‌ء في ‌حياتها مما منحها الله تعالي‌ من‌ القيم‌ والكفاءات‌.
“خَتَم‌َ اللَّه‌ُ عَلَي‌’ قُلُوبِهِم‌ْ وَعَلَى‌’ سَمْعِهِم‌ْ وَعَلَى‌’ أَبْصَارِهِم‌ْ غِشَاوَة‌ٌ”.
ولانقاذ هؤلاء لابد من‌ تحرير وعيهم‌ وارادتهم‌ من‌ اسر الطاغوت‌، ان ‌الطاغوت‌ يسلبهم‌ (الوعي‌) و(الارادة‌) عن‌ طريق‌ (الارهاب‌)و(الافساد)، ولانقاذهم‌ من‌ قبضة‌ الطاغوت‌ واسره‌ لابدّ من‌ اعادة‌ (الوعي‌)و(الارادة‌) اليهم‌ قبل‌ كل‌ شي‌ء، حتي‌ ينظروا الي‌ الاُمور والأشخاص ‌بوعيهم‌ الذي‌ اعطاهم‌ الله، لا من‌ خلال‌ ما يحبّه‌ الطاغوت‌ ويكرهه‌، وحتي ‌يتمكّنوا من‌ ان‌ يأخذوا القرار لأنفسهم‌ بانفسهم‌، لا ان‌ يتخذ الطاغوت ‌القرار بالنيابة‌ عنهم‌ ولهم‌.
ولقد واجه‌ الحسين‌(ع) واقعاً اجتماعياً وسياسياً سيّئاً من‌ مثل‌ هذا الواقع‌، تمكن‌ فيه‌ بنو اُمية‌ من‌ مسخ‌ شخصية‌ الاُمة‌ مسخاً كاملاً، ومصادرة ‌قيمها وقدراتها ووعيها وارادتها. واسوا ما كان‌ في‌ هذا المسخ‌ والتحويل ‌ان‌ القدرة‌ والقوّة‌ التي‌ منحهم‌ الاسلام‌ ايّاها تحوّلت‌ في‌ نفوس‌ هؤلاء، وبفعل‌ بني‌ اُمية‌ الي‌ قوة‌ للقضاء علي‌ الاسلام‌، والسيف‌ الذي‌ سلّحهم‌ به‌ رسول‌ الله لقتال‌ اعداء الاسلام‌، تحوّل‌ في‌ ايديهم‌ الي‌ اداة‌ لمحاربة‌ أبناء رسول‌ الله واوليائهم‌ دون‌ اعدائهم‌.

وكان‌ هذا هو جوهر المسخ‌ الحضاري‌، الذي‌ تم‌ّ علي‌ يد بني‌ اُمية ‌في ‌حياة‌ هذه‌ الاُمة‌.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى