صفحات من جمهورية الفقراء الاعجوبة التي اخذتني من مقهى «ابو راضي»

عبد الكريم ابراهيم
فتحتُ عيني على ان بعض بيوتات (الثورة ) لاتملك اجهزة التلفزيون الا ما ندر ،لذا نجد من عادة ذاك الزمان أن يتجمع أهالي المنطقة في بيت من يملك هذه الأعجوبة السحرية .وعلى صاحب الدار ان يتحمل بعض الضيوف الثقلاء وسماجتهم وان يقوم بكافة أصول الضيافة من شاي وماء بارد وحامض في بعض الاحيان ،ومن النادر ان يبدي تذمره من وجود هذا الكم الهائل من الاهالي مع اطفالهم الذين يمارسون لعبة كسر الاشياء ،لاسيما الزجاجية منها . كان ليوم الجمعة في نهاية السبعينيات خصوصية لدى العراقيين، حيث يعدون انفسهم لمشاهدة فيلم الساعة الرابعة عصرا (العربي) ،وكنت من الذين يحرمون من هذه المتعة بسبب عدم امتلاك بيتنا لجهاز تلفزيون ،لذا علي أن احمل نفسي صوب مقهى (ابو راضي ) في شارع الفلاح من اجل هذه الغاية ،واحتسي ( استكان ) شاي او حامض رغما عني ؛لان من شروط احتلال مكانٍ على أحدى ( قنفات أبو راضي ) هو شرب شيء ، وهذا دأب كل المقاهي حتى اليوم . وفي الكثير من الاحيان لااجد مكانا، لذا علي أن اجلس القرفصاء امام (استكان ) الشاي محاولا ان تطول مدة احتسائه خوفاً من مطالبة (ابو راضي ) بـ( أستكان ) جديد، والميزانية لاتتحمل اكثر من نوع واحد من ( المشاريب ) .
هذه المعاناة انتهت في يوم من الايام السعيدة التي لاتنسى ابدا في حياتي، عندما استطاعت امي رحمها الله الالحاح لحمل والدي على شراء تلفزيون يجمع العائلة تحت سقف واحد ،وفعلا بادر ابي بتكليف خالي بشراء تلفزيون على معرفته ،وكانت المعجزة ، عندما طرق هذا الرجل بابنا وهو يحمل (كارتون ) فيه شيء ما ، انه تلفزيون (nec ) ياباني الصنع 17 عقدة . اخرج خالي الاعجوبة من حيث هي وقام بتشغليها بعد ان وضعها على نفس ( الكارتون) ،وما ان بدأ التلفزيون بالعمل وانا لا ابرح مكاني رغم ان الكثير من الاشياء لم اكن افقهها ، ولكنني أتفاعل مع الصورة والحركة . هذه الأعجوبة التي قاتلت من اجل دخولها البيت ، كانت بالأسود والأبيض حيث لم يكن قد عُرف التلفزيون الملون بعد . المهم كنت ادخل في صراع مع اخوتي في احقية مشاهدة هذه المادة دون غيرها،علما ان التلفزيون العراقي كان عبارة عن قناتين التاسعة والسابعة ،ولكن هذه الأخيرة كانت تقدم يوم الخميس مباراة كرة قدم عالمية متزامنة مع قناة التاسعة التي تعرض افلام كارتون ،وكنت من المعجبين بالرسوم المتحركة لدرجة الجنون ، لذا احرم من المشاهدة بحكم سلطة الأخ الأكبر . واتذكر كيف كانت الاستعدادات لفيلم الجمعة العربي ، عند الساعة الرابعة يطفئ اخي الانوار ويغلق (بردة ) الشباك ويهيئ الاجواء كأنها صالة سينمائية . صديقي (nce) كان يعمل كالساعة طوال خدمته ، ولكنه أواخر أيامه أصيب بالخرف ،لذا كثر تردده على مصلحي التلفزيونات لدرجة وصلت زياراته أكثر من مائة مرة ،واصبحتُ من الذين يتفننون في فتح دواخله ،وأعادة تركيبه ، ومسح التراب عنه بواسطة مجفف الشعر . ومع كثرة العرائض التي رفعها التلفزيون المسكين للمطالبة باحالته الى التقاعد ، ولكن هناك إصراراً من قبل الاهل للتمسك به ، مع بوادر ظهور منافسة جديدة من قبل القادم… التلفزيون الملون . امتدت خدمة هذا الجهاز منذ عام 1975 إلى عام 2004 عندما قام ابن اخي الصغير بتجريب مهارته الفنية في إصلاح الكهربائيات ، وليتحول صديقي العزيز الى كمية من (الصفر) الأحمر بيعت بملغ زهيد في “وكفة الاورفلي”.




