حكايات الشطار والعيارين في التراث العربي
د. رمضان متولي
يعد الراحل الدكتور “محمد رجب النجار” من الرواد الذين ساهموا في وضع اللبنات الأولى لعلوم الأدب الشعبي في مصر. وفي كتابه “الشطار والعيارين في التراث العربي” الذي صدر عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية، في أثناء تدريسه مادة الأدب الشعبي في جامعة الكويت ثمانينيات القرن الماضي. أظهر أن التراث العربي يحتفي بقصص اللصوص، وحكايات الشطار والعيارين منذ أمد بعيد.وأفرد الجاحظ رائد الفلكلوريين العرب وغيره من مؤرخي الأدب العربي كتباً بذاتها عن هؤلاء اللصوص وأصنافهم وطوائفهم، وحيلهم وأساليبهم وآدابهم الاجتماعية وتقاليدهم المهنية، وتراثهم الفني من أشعار وحكايات ونوادر وأخبار وأقوال مأثورة، فيما عرف أدبياً وفنياً باسم أدب الشطار العربي. هؤلاء اللصوص الذين ينضوي تحتهم الصعاليك والشطار والعُيار والفتيان والزُعار والدُعار والعُيَّاق والحرافيش، ومن لف لفهم من المعدمين والفقراء والجياع والعاطلين عن العمل الذين عضهم الفقر بأنيابه، وأعجزتهم الحيلة عن كسب الرزق بسبب تجاهل حكامهم لمطالبهم الحياتية وإنكارهم حقهم في الحصول على لقمة عيش كريمة بعيدة عن ذل السؤال.ويصف “أبو حيان التوحيدي” ذلك بقوله: “ولانهماك السلطان في القصف والعزف، وإعراضه عن المصالح الدينية والخيرات السياسية”. بينما يرجع “المقريزي” السبب إلى “سوء تدبير الزعماء والحكام وغفلتهم، عن مصالح العباد وانهماكهم في الملذات، فضاق اللصوص ذرعاً بغياب القانون وغيبوبة السلطان وغباوة العسكر وأهل الدولة”. وضم هؤلاء جميعاً هذا النمط القصصي، وجمع بينهم في صعيد واحد عاملان : الأول الانتماء إلى دائرة اجتماعية معينة التي تعد منبوذة طبقياً واجتماعياً من قبل الفئات الأعلى باعتبارها جماعات تعيش على الهامش، والعامل الثاني البطولة خارج القانون. ولذا فهذه تعد طبقة ملفوظة ومنبوذة من المجتمع، ولذا فهم في صراع دائم معه. ولهذا فقد تحدوا هذا الواقع البائس، وتمردوا على المجتمع المتجبر وحاولوا الثورة عليه، برغم شراسة الصراع وحدته، وعدم تكافؤ طرفيه، لذا تعددت ثوراتهم واحتدت محاولاتهم على خصومهم لينالوا بأسلوب غير مشروع ما يعتقدون أنه حق شرعي لهم. فالدوافع والمبررات لذلك تملأ قلوبهم ونفوسهم غِلاً وحسداً ورغبة عارمة فى الثورة والفوز بحقوقهم السليبة. برغم ما يلاقونه من عنف المواجهة مع السلطة.
وقد احتفظت لنا كتب التراث والنوادر بقدر كبير من حيل هذه الطبقة وأساليبهم مفردة العديد من المؤلفات عنهم. ويذكر الجاحظ في “البيان والتبيين”: “أن من لم يروا أشعار اللصوص وأحاديثهم فإنهم كانوا لا يعدون من الرواة”. وهو ما قدم لنا عبر التاريخ مادة خصبة وثرية عن هذه الفئة، مما كان سببا فى ارتقاء بعض الشطار فى تراثنا الشعبي إلى مرتبة البطولة شبه الملحمية، على نحو ما رأينا فى سيرة أشطر الشطار “علي الزيبق”، حتى إشتهر فى أدبنا الشعبي مقولة: “إن اللص أحسن حالاً من الحاكم المرتشي ومن القاضي الذي يأكل أموال اليتامى والأرامل بالباطل”، ومن جهة أخرى كان ذلك دافعاً أن يؤلف العامة حول بطولاتهم إبداعات أدبية ذات طابع تلقائي وعفوي، كما أثرت عنهم أشعار وقصص وبطولات كانت من إبداعاتهم الشعبية. وتكون من الصنفين ما عرف في الدراسات الأدبية والفلكلورية باسم أدب اللصوص أو حكايات الشطار، باعتباره وسيلة من وسائل التعبير الفني الذي يستمد مادته من فكرة رفض الواقع الاجتماعي والسياسي.
ومن يقرأ حكايات “ألف ليلة وليلة” و”سيرة علي الزيبق” سيقابل أبطالاً مثل “دليلة المحتالة”، و”علي الزيبق”، و”أحمد الدنف” وغيرهم، وسيتبين له أن هذه كانت شخصيات حقيقية تمتلك واقعاً تاريخياً لايختلف عن واقعها الفني كثيراً، حتى ذكر في بعض المصادر التاريخية أن أحد خلفاء بني العباس استنجد بـ”علي الزيبق” ليخمد له الفتنة التي حدثت بين “السنة والشيعة” في بغداد سنة 443هـ. كما ورد في بعض الروايات التاريخية أن عدد العيارين الذين اشتركوا فى الانتفاضة الواحدة في اليوم الواحد أيام الفتنة التي قامت بين الأمين والمأمون ابني الخليفة العباسي هارون الرشيد بلغ مائة ألف عيار، كما ورد كذلك في سيرة “على الزيبق” أن “دليلة المحتالة” كانت تقود أربعة وعشرين ألف زاعر وعيار.



