شجاعة الامام علي «عليه السلام» في غزوة بدر

قال ابن هشام في سيرته، قال ابن اسحاق: (إنّ رسول الله (ص) سمع بأبي سفيان مقبلاً من الشام في عير لقريش فيها أموال وتجارة من تجاراتهم، فندب المسلمين إليهم، وقال: هذه عير قريش، فيها أموالهم، فأخرجوا إليها. فانتدب الناس، وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسّس الأخبار، حتّى أصاب خبراً من بعض الركبان أنّ محمّداً (ص) قد استقرّ أصحابه لك ولعيرك، فحذر عند ذلك، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، وأمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أنّ محمداً (ص) قد عرض لها في أصحابه. فجعل ضمضم ينادي في قريش وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها ، الغوث الغوث.
فتجهّز الناس سراعاً، فلم يتخلف من أشراف قريش أحد إلّا أبو لهب، وقد بعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة، وخرج رسول الله (ص) في ليال مضت من شهر رمضان، وكان أمامه رايتان سوداوان أحداهما مع عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يقال لها “العقاب”، والأخرى مع بعض الأنصار. فأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم.
فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش، ثمّ قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله! امض لما أرادك الله فنحن معك، والله ما نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى “اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون”، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحقّ لو سرت بنا إلى بَرْك الغِماد لجادلنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله (ص) خيراً، ودعا له.
وقال سعد بن معاذ من الأنصار: فقد آمنّا بك وصدّقناك وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، فوالذي بعثك بالحقّ لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، فسر بنا على بركة الله.
وبعث رسول الله (ص) عليّاً (ع) والزبير وسعد بن أبي وقّاص إلى ماء بدر، فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم غلام بني الحجاج وعريض غلام بني العاص بن سعيد، فأتوا بهما رسول الله (ص) فقال: أخبراني عن قريش؟ قالا: هم والله وراء هذا الكثيب. فقال (ص): كم القوم؟ قالا: كثير. قال: ما عدّتهم؟ قالا: لا ندري. قال: كم ينحرون كل يوم؟ قالا: يوما تسعاً، ويوم عشراً، فقال (ص): القوم فيما بين تسعمائة والألف.
فنهض (ص) برأي الحباب بن المنذر الجموح، فسار حتّى أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقُلب فغوّرت وبنى حوضاً على القليب الذي نزل عليه فملأه ماء، ثم قذفوا فيه الآنية. فلمّا اطمئن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحي، فقالوا: أحزّر لنا أصحاب محمّد. فاستجال بفرسه حول العسير، ثم رجع فقال: ثلاثمائة رجل يزيدون قليلاً أو ينقصون، ولكنّي قد رأيت يا معشر قريش، البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلّا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلاً منكم.
فشرعت قريش الحرب، وخرج منهم الأسود بن عبد الأسد المخزومي فقال: أعاهد الله لأشربنّ من حوضهم، أو لأهدمنّه، أو لأموتنّ دونه، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب (ع)، فلمّا التقيا ضربه حمزة فأطنّ قدمه بنصف ساقه، وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دماً، ثمّ حبا إلى الحوض أن يبرّ بزعمه يمينه، وأتبعه حمزة حتى قتله في الحوض.
ثمّ خرج بعده عتبة بن ربيعة، بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد ابن عتبة، فخرج إليهم فتية من الأنصار، فقالوا: من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار. قالوا: ما لنا بكم من حاجة. ثم نادى مناديهم: يا محمّد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال رسول الله (ص): قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا عليّ. قالوا: نعم، أكفاء كرام. فبارز عبيدة عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة، وبارز عليّ الوليد بن عتبة، فأمّا حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأمّا عليّ فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتان، كلاهما أثبت صاحبه، وكرّ حمزة وعليّ بأسيافهما على عتبة فقتلاه سريعاً، ثم احتملا عبيدة إلى رسول الله (ص).
فعدّل رسول الله (ص) الصفوف، ثمّ حرّضهم وقال: والذي نفس محمّد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً، مقبلاً غير مدبر، إلاّ أدخله الله الجنّة. ثمّ أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل قريشاً بها، ثم قال: شاهت الوجوه. ثمّ نفحهم بها، وأمر أصحابه فقال: شدّوا. فكانت الهزيمة، فقتل الله من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر من أشرافهم.
ثمّ أمر (ص) بقتلى قريش المشركين أن يطرحوا في القليب، فلمّا طرحوا في القليب وقف عليهم فقال: يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقاً؟ فإنّي قد وجدت ما وعدني ربي حقّاً.
ثم أقبل (ص) إلى المدينة، ومعه الأسارى من المشركين، وفيهم عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، فأمر النبيّ (ص) بقتلهما، فقتل عليّ (ع) النضر، وقتل عاصم بن ثابت الأنصاري عقبة، وقال ابن هشام: ويقال: قتله عليّ بن أبي طالب أيضاً، فقدم المدينة قبل الأسرى بيوم، ثمّ أدخلوا الأسارى المدينة ففرقهم بين أصحابه، وقال: استوصوا بالأسارى خيراً.
واستشهد من المسلمين ستة أشخاص من قريش، ومنهم: عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وعمير بن أبي وقّاص أخو سعد بن أبي وقّاص، وثمانية من الأنصار، وجمع الشهداء أربعة عشر شخصاً.أما عدد قتلى المشركين كما هو المشهور كان سبعين رجلاً، ومن قتله منهم عليّ (ع) وحده كما في سيرة ابن هشام سبعة عشر شخصاً، وهؤلاء: كانوا من خمسين قتيلا من قريش الذين أحصاهم وجاء بأساميهم ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام.فعليّ (ع) وحده، كان قد قتل في بدر، أكثر من ثلث من قتل هنالك من المشركين. وأما الذين اشترك علي (ع) في قتلهم فكما يلي: حنظلة بن أبي سفيان، اشترك في قتله هو وعمّه حمزة وزيد بن حارثة، عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، اشترك هو وعمّه حمزة بعد ما أطنّ ساقه عبيدة بن الحارث. زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، اشترك في قتله ثابت بن الجذع وهو وعمّه حمزة، عقيل بن الأسود بن المطلب بن أسد، اشتركا في قتله هو وعمّه حمزة.




