اراء

علاقة روسيا بمحور المقاومة وانعكاساتها على تل أبيب وواشنطن

بقلم: أ. د. جاسم يونس الحريري..

من خلال تدريسي لمادة (العلاقات الدولية) في الجامعة لسنين عديدة، مازالت مقولة للسياسي البريطاني الشهير (ونستون تشرشل) رئيس وزراء المملكة المتحدة في عقد الأربعينيات من القرن المنصرم، لها أثر في أدب العلاقات الدولية، أطرحها على طلبتي في العلوم السياسية كل بداية عام دراسي جديد، وهي “لا توجد عداوات دائمة، ولا توجد صداقات دائمة، بل توجد مصالح دائمة”.

ان العلاقات بين الدول وسلوكياتها تماثل إلى حد كبير العلاقات بين الأفراد، فالعلاقات بين الأفراد تقوم في الأغلب على مصالح متبادلة، ليست بالضرورة مادية، فقد تكون دعما معنويا أو حاجة عاطفية، أو تشجيعا ومساندة ونحو ذلك. وكذا الدول، خاصة تلك تربطها صلة الجوار، ما يحتم التعايش وتعظيم الجوانب الإيجابية فيما بينها. وهذه المقولة استحضرتها وأنا أبحث في هذه المقالة العلمية عن علاقة روسيا بمحور المقاومة من حيث الأسباب والأهداف من تلك العلاقة.

وقد لفت انتباهي ورقة علمية صدرت عن (مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات) ومقره في العاصمة اللبنانية (بيروت) والتي أعدها الدكتور (وليد عبد الحي) صدرت في منتصف شهر تموز 2024، إلى الاستراتيجية الروسية تجاه الحرب على غزة، وذكرت أن الحرب تدفع روسيا ببطء نحو “محور المقاومة”، خصوصاً مع انحياز (إسرائيل) للمعسكر الغربي في حرب أوكرانيا. وذكرت الورقة، أن روسيا أدركت ضرورة بناء استراتيجيتها نحو الشرق الأوسط لمواجهة التخطيط الغربي الساعي لمتابعة التفكك السوفييتي باتجاه مزيد من التفكك في الاتحاد الروسي، وخصوصاً من خلال تحريك النزعات الانفصالية داخله، ولاسيما أن روسيا تضم 22 جمهورية و89 كياناً اتحادياً، وتشكل أقلياتها 19% من السكان. وأوضحت، أن روسيا تنظر لإيران من زاويتين، الأولى أنها حليفها الأقوى في المنطقة، ولكنها مركز “محور المقاومة”. وأشارت إلى أن معركة “طوفان الأقصى” وضعت العلاقة الروسية الإيرانية أمام اختبار بخصوص درجة اتساق العلاقة الروسية الإيرانية، وذكرت أن الرد الروسي على الهجمات الإسرائيلية على سوريا مازال قاصراً، وقالت: “لكن ذلك لا ينفي أن هذه السياسة الإسرائيلية تعمق التباعد في العلاقات الروسية الإسرائيلية، وتدفع روسيا ببطء نحو (محور المقاومة)، خصوصاً مع انحياز (إسرائيل) للمعسكر الغربي في حرب أوكرانيا”. وأوضحت الورقة، أن روسيا خشت من انعكاس حرب غزة على استقرارها الاجتماعي، حيث حصلت اضطرابات في (داغستان) الإسلامية ضد قدوم يهود مهاجرين من (إسرائيل) بعد أيام من الحرب.

وأشارت إلى أن أغلب اليهود في (إسرائيل) ممن هاجروا من الاتحاد السوفييتي، ينتمون إلى كل من روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا، حيث تخشى روسيا أن تنعكس خلافات هذه الدول على استقرارها الداخلي. وأوضحت، أن الحرب أدت إلى تحويل بعض المساعدات الأمريكية والغربية من أوكرانيا (لإسرائيل)، مما خفَّف الضغط على روسيا. كما ذكرت أن الموقف الإسرائيلي المنحاز لأوكرانيا، دفع نحو توجُّهٍ روسيٍ للتقارب مع حماس، وتوظيفه لتعميق وتحسين القبول الروسي في الدول الإسلامية والعالم الثالث، ولتقليص الفجوة مع التيارات الإسلامية حول التدخل الروسي في سوريا سنة 2015، وتعزز ذلك باستضافة روسيا وفداً من حماس في 26 تشرين الاول 2023، وبعدها تم الإفراج عن 3 محتجزين روس من أصل 6، كما استضافت وفداً آخر يوم 24 حزيران 2024. وأشارت الورقة إلى أن الحرب الأوكرانية أجبرت (إسرائيل) على ضرورة اتخاذ موقف محدد، وهو ما فعلته بإدانة العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وهو ما جعل روسيا “أقل حماساً لترميم العلاقة مع إسرائيل بعد انفجار الطوفان”. واليوم حدث تطور مهم في العلاقة بين روسيا و(محور المقاومة) عموما و(حركة أنصار الله) اليمنية خصوصا بعد أن ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، أن الولايات المتحدة تخشى من احتمالية تسليح الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) لجماعة “أنصار الله”، وذلك في سياق تحذيره للولايات المتحدة وحلفائها من أن السماح لأوكرانيا باستخدام صواريخ بعيدة المدى مصنوعة في الغرب ضد روسيا يعني أن دول حلف شمال الأطلسي “في حالة حرب” مع روسيا.

وقالت الصحيفة: “ويشعر المسؤولون بالقلق على وجه الخصوص من أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يمكن أن ينتقم من خلال تسليح الحوثيين المتمركزين في اليمن، والذين يشاركون في حملة طويلة الأمد لمهاجمة السفن في البحر الأحمر”. وتأتي هذه التحذيرات في وقت يعيد فيه القادة الغربيون النظر في القيود المفروضة على استخدام الأسلحة بعيدة المدى من قبل أوكرانيا”.

ومن بين هذه الصواريخ “ستورم شادو” البريطانية، القادرة على ضرب أهداف على بعد 155 ميلاً، وهو ما قد يمنح أوكرانيا تفوقًا عسكريًا في ظل التقدم الروسي البطيء على الجبهات. أن منطق المواجهة بين واشنطن وروسيا يدفع موسكو إلى دعم الجبهة الموالية لإيران بشكل متزايد. وحتى لو كان الكرملين نفسه مازال يأمل في البقاء ضمن إطار التوازن والوساطة، فبالنسبة إلى القوى الإقليمية، اتخذت روسيا بالفعل جانبًا في الصراع الدائر، وستتصرف هذه القوى وفقًا لذلك. الصحافية الروسية التي كانت تتابع شؤون الشرق الأوسط في إحدى كبريات الصحف الروسية قبل مغادرتها روسيا Marianna Belenkaya، نشرت في 12/8/2024 نصاً في الطبعة الإسرائيلية من صحيفة newsru الروسية.

تساءلت الصحافية في عنوان نصها ما إن كانت روسيا قد أصبحت جزءاً من “محور المقاومة” وقالت بيلينكايا، أن (إسرائيل) (لا تستطيع أن تغمض عينيها عن انجراف موسكو المتزايد نحو طهران، وعن تعاونهما العسكري التقني المتزايد، وكذلك عن الاتصالات الروسية بكل من “حماس” و”حزب الله” والحوثيين والمقاومة الاسلامية في العراق) لذلك ليس من المستغرب أن تصنف (إسرائيل) روسيا، بشكل لا لبس فيه تقريباً، كجزء من “محور الشر” الذي يضم إيران وكوريا الشمالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى