اراء

واشنطن تحت ضغط طهران تؤجل تهديد ترامب

بقلم: د. بسام روبين..

في قلب التوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران، يتضح أن ما يحدث ليس مجرد تصعيد عابر، بل استراتيجية ممنهجة للتعطيل والإستنزاف. فالعقيدة العسكرية الحالية لا تهدف إلى حسم الصراع، بل إلى إطالة أمد المواجهة، وهي اللعبة التي يتقنها تجار الحروب في البيت الأبيض بدعم مباشر من حليفهم الاستراتيجي في تل أبيب. والحقيقة المؤلمة أنه كلما طال الصراع، اقتربت الخسارة من الجميع بلا استثناء.

إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى تحول مفاجئ في الحسابات الأمريكية، فقد تم تأجيل تهديد ترامب المباشر، وظهرت مؤشرات على خطة لوقف إطلاق النار، وهو ما يبدو أنه نتيجة ضغوط إيرانية قوية أثرت على صانع القرار الأمريكي، وهذه الخطوة لم تعلن رسميا بعد، لكنها تظهر أن واشنطن بدأت تعيد حساباتها وتدرك أن استمرار الحرب الطويلة قد يتحول إلى كارثة سياسية وعسكرية لها ولحلفائها.

ويبقى الإقليم في حالة لا حرب ولا سلم بدافع مصالح الكيان الصهيوني، الذي يخشى استقرار المنطقة خوفا من تمكين الشعوب من تحقيق تقدمها الوطني والتنموي، فكل محاولة لخفض التصعيد تقابل بـنيران إسرائيلية جديدة لجر الولايات المتحدة إلى مواجهة تنهك القوى الإقليمية وتضمن التفوق الإسرائيلي، أما واشنطن، فهي تحاول الموازنة بين حاجة إستمرار الهيمنة العسكرية وفتح أسواق السلاح من جهة، وبين الضغط الإيراني والدولي لإيقاف التصعيد من جهة أخرى.

وما يجري، ليس مجرد مناورة عسكرية، بل استنزاف مدمر يطال الأمن القومي العربي، والاقتصاد الإقليمي، من خلال تهديد الممرات المائية الحيوية، والسيادة العربية التي أصبحت عرضة للإبتزاز الدولي، وعلى القادة أن يدركوا الآن أن الرهان على الحماية الأمريكية هو سراب، وأن واشنطن لا تتحرك إلا وفق مصالح إسرائيل، وإستمرار الحرب يعني استنزاف مقدراتنا وتحويل المنطقة لساحة تجارب للأسلحة ووقود لطموحات أمريكا التي لا تعترف بحقوق الشعوب.

والتطور الجديد، المتمثل في تأجيل تهديد ترامب وظهور مؤشرات لوقف إطلاق النار، يعطي شعورا بأن إيران نجحت جزئيا في فرض معادلة جديدة على القرار الأمريكي، ما قد يفتح الباب لتخفيف التوتر واستثماره لصالح استقرار نسبي، لكنه لا يغير حقيقة أن المنطقة ما زالت على حافة الإنفجار، وقد حان الوقت لتغليب لغة العقل والمصالح المشتركة بعيدا عن الإملاءات الخارجية، فإستمرار الحرب سيجعل الجميع خاسرا، وقد آن الأوان لترامب ان يدرك حدود القوة وأن يكف عن المقامرة بمستقبل شعوب المنطقة العربية والإسلامية، ويجب أن يعلم بأن الانجرار الأعمى خلف أجندات نتنياهو، سيجعل من ترامب الخاسر الأكبر في نهاية المطاف، كما يجب التوقف عن ادارة شؤون الدولة العظمى عبر منصات التواصل الاجتماعي فالقيادة الرصينة تصنع في الغرف المغلقة، وبحسابات إستراتيجية دقيقة، وليست عبر تغريدات، أو منشورات انفعالية تفتقر لأدنى معايير الدبلوماسية الدولية، فقد بات واضحا أن واشنطن لا تتحرك إلا بوحي من بوصلة المصالح الإسرائيلية .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى