اراء

القانون والعشيرة والدولة

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي ..
مما لا شك فيه أن استقرار الأمن وشيوع الأمان في أي مجتمع كان يمثل مصداقا لقوة الدولة ونجاح عمل المنظومة الأمنية فيها . لكن ذلك يختلف نسبيا بين مجتمع وآخر ودولة وأخرى تبعا لجملة من العوامل ذات الصلة المتمثلة بطبيعة المجتمع ومفردات التعامل الميداني بين رجل القانون والمواطن ومدى المساحة المتاحة للتطبيق الحرفي لفقرات القانون على المجتمع بجميع فئاته . ما يهمني في البحث هو ماهية الحال لدينا في العراق دون الركون الى الإسهاب وفقا لما تتسع له مساحة المقال . بداية لا بد ان نؤكد أننا أسوة بكل الأحبة والأصدقاء ابناء عشائر قبل أي وصف آخر نعتز به ، بل إننا نفتخر بانتمائنا العشائري وليس هناك من منصف وعاقل ينكر ما تمثله العشيرة والقبائل من حصانة للمنظومة القيمية وما كان لها من سفر خالد ومشرف في تأريخ العراق حيث كانت العشائر العراقية في الفرات الأوسط وجنوب العراق شعلة الثورة ضد قوات الغزو والاحتلال وعلى سبيل المثال أن ما أفتخر به شخصيا ان آخر ما سلمناه لمتحف ثورة العشرين من بيت المرحوم جدي في الكوفة بمحافظة النجف الأشرف هو قدر كبير من الصفر مع ادوات الطهي كانت من غنائم الثوار في معركة الرارنجية بثورة العشرين . كما لا يمكن أن ننسى أن المضايف العشائرية كانت ولم تزل مدارس للحكمة والموعظة وواحة لكبار المشايخ والأمراء الأجلاء والحكماء والشعراء ولكن وآه لما بعد هذه اللكن . الحقيقة التي تفرض نفسها في البلاد حاليا تتلخص بتداعيات ما افرزه نظام المقبور صدام والتي أوصلتنا الى سطوة العرف العشائري بما يتعارض في كثير من الأحيان مع ما تقوم الجهات الأمنية اليوم من جهود وتضحيات لفرض سطوة القانون على المجتمع . نعم المعروف عن العراق أنه بلد عشائري بل إن بعض القبائل في العراق تمتد الى بعض الدول العربية المجاورة مثل بني تميم وشمر والباهلي والمراشدة وبني حسن والمرياني وبني مالك والجبور والدليم والسواعد وغيرهم الكثير من القبائل المحترمة على طول مساحة العراق والتي لا تتسع مساحة المقال لذكرها . المشكلة التي استجدَّتْ في العراق هي الانشطار الذي اصاب البنية العشائرية والذي ابتدأ منذ العام 1991 بعد اضطرار النظام السابق إلى اللجوء الى ابناء العشائر للسيطرة على الشارع العراقي الثانر إثر ما تعرض له بعد غزوه للكويت وما كان بعدها فى الانتفاضة الشعبانية الخالدة . في تلك الأيام انقلب الحال وتغيرت الموازين، فالبعث الهدام الذي كان يصر على الغاء العشائرية بل انه اصدر امرا في نهاية السبعينيات بإلغاء الألقاب العشائرية من اسماء الوزراء والمسؤولين فعرفنا ان طه الجزراوي هو طه ياسين رمضان وعزت الدوري هو عزة ابراهيم بل وحتى مقدمو البرامج في التلفزيون عرفنا ان مؤيد البدري هو مؤيد عبد المجيد وهكذا . وإذا به يلزم كل بيت بتعليق شجرة العائلة وانقلب حال بعض العشائر من العامية الى النسب الطاهر لآل البيت عليهم السلام فأصبح شیخ سلمان في الصباح هو سيد سلمان في المساء في محاولة مقصودة بخباثة النظام المقبور وهذا ليس موضوع البحث الآن .. نستنتج هنا أننا ازاء معادلة التناسب العكسي بين قوة الدولة وحضور القانون وقوة العشائر وسطوة العرف فوق القانون . نتحدث هنا عن حالة من التمرد الذاتي بين افراد العشيرة على العشيرة فكثر الشيوخ وتكاثروا وتمرد الكثير من التابعين للمشايخ المستحدثين على أسس الدولة والقانون بل وحتى العرف العشائري القويم والمستند الى الأصول والعفة والحياء للحد الذي تحولت به بعض الواجهات العشائرية الى دكاكين تجارية ومافيات خطرة على المجتمع والقانون على حد سواء . في العودة الى بيت القصيد نجد أن المنظومة الأمنية وخصوصا في وزارة الداخلية إزاء مهمة في غاية الصعوبة بالتعامل مع الواقع المفروض والمرفوض لكنها تعمل بجدية وجهد استثنائي وفق أقصى ما تستطيع ضمن الممكن المتاح مما يتطلب منا جميعا نخبا ومؤسسات ومنظمات مجتمع مدني وعشائر أصيلة والقنوات الإعلامية بالوقوف معها لنؤمن حضور الدولة في المعادلة الصعبة بين القانون والعشيرة .. والسلام ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى