إعجاز الحزن الحسيني في باريس

بقلم/ منهل عبد الأمير المرشدي..
في ليلة تشرفنا بها لنكون بضيافة مؤسسة الإمام الخوئي قدس سره الشريف في باريس بحضور سماحة الدكتور السيد أحمد الياسري حيث عشنا في رحاب مصيبة عاشوراء ونحن نصغي الى محاضرة الدكتور الياسري بقلوب حزينة خاشعة وعيون دامعة حيث أجاد سماحته من خلال طرحه الجامع بين الأصالة والمعاصرة من أن ينقلنا الى أجواء واقعة الطف بما فيها من سمو للشموخ والكبرياء المتجسد في معسكر أبي عبد الله الحسين عليه السلام وبني هاشم واصحابه مقابل التوحش والضلال في معسكر ابن زياد وجيش الدعي ابن الدعي يزيد بن معاوية . لم تكن ساعة ككل الساعات ولا يوم ككل الأيام . كان الحضور يجمع نخبة من محبي آل البيت عليهم السلام من الأفغان والهنود والأتراك والإيرانيين والأكراد الفيليين وبينهم الأساتذة والكفاءات الثقافية والعلمية من العراقيين . لقد وجدنا في بداية تواجدنا في المؤسسة صعوبة في تبادل الحديث مع الحضور كون الأغلبية لا يتكلمون العربية وكل أناس يتحدثون بلغة قومهم . كانت لحظات لا تخلو من الجمال الغريب وغرابة الجمال في أن تستمع الى عدة لغات في مكان واحد لكن بوصلة الجميع قلبا وذهنا ووجدانا تشير الى كربلاء فما إن بدأت المحاضرة حتى ساد القاعة صمت الحزن بدراية وخشوع مفعم بالأسى والانكسار ومع دخول الأستاذ الياسري في اجواء الوصف الواعي لبطولة أبي الفضل العباس وكفالته لأخته الحوراء زينب وعلاقته مع إمامه وسيده وأخيه ابي عبدالله الحسين عليهما السلام . لقد عشنا حرارة المصاب وشجن الدموع وتعالي اصوات النحيب والبكاء من الجميع بشكل تجاوز كل ما نألفه من حرقة وألم وآهات والكل تنادي مولاي يا حسين مولاي ياحسين رغم أن محاضرة السيد الياسري كانت باللغة العربية وبعض مفرداتها باللهجة العراقية ! مشهد لم أنسَهُ ابدا . اقشعرَّ له بدني وخفق له قلبي انكسارا وذهولا وخشوعا لجلالة أبي الأحرار الذي جمع عواطف كل الأقوام وكل اللغات وكل الثقافات . كم أنت عظيما سيدي ومولاي أبا عبد الله الحسين . كان البكاء غير البكاء والحزن في اسمى آياته أرواحا وأفئدة شاخصة نحو آل البيت وفهم آل البيت ومودة آل بيت المصطفى عليهم الصلاة والسلام . ليس هذا فحسب فبعد انتهاء محاضرة سماحة الدكتور الياسري اعتلى المنبر شيخ جليل من إيران ليلقي مقطعا عن الواقعة باللغة الفارسية لكنني وجدت ان اندماج الجميع مع اجواء الحزن هو ذات الجو وتعالي البكاء وصيحات مولاي يا حسين بل اننا وجدنا انفسنا في ذات الخشوع والحزن والبكاء وهذا ما استمر به الحال علينا وعلى الحاضرين بعد ان تناوب رواديد من أفغانستان والعراق وإيران .. لست ادري كيف تعددت اللغات واختلطت الثقافات لكن الإعجاز الحسيني العظيم كان حاضرا يوحد المشاعر ويقارب المفردات ويجمع آهات العشق المبصر لقداسة كربلاء وجلالة سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين بأفق عراقي في اللكنة والمفردات حيث أمسى الحسين عليه السلام هوية العراق وتشرف العراق بأن يكون واجهة العشق لكربلاء . لست ادري كم أحتاج لوصف تلك الليلة العظيمة الحزينة الجميلة التي حملت معالم المعجزة في كل شيء فهل رأيتم حزنا يشرح الصدور ودموعا وبكاءً تُدخِلُ السعادة إلى القلب والعافية للبدن . ولا ننسى كرم الضيافة والأخلاق النبيلة للأحباب في المؤسسة دون أن نعرف من أي بلد هم لكنهم حسينيون في العطاء والأخلاق . وننحني بإجلال وإكبار لقداسة الإمام الخوئي رحمة الله عليه كما نتوجه بالدعاء لحفظ مرجعيتنا العليا لسماحة السيد علي السيستاني أدام الله ظله الوارف . نعم إنه الإعجاز الحسيني العظيم لمن يعرف الحسين عليه وعلى أولاده وآله وأصحابه أفضل الصلاة والسلام



