الخوف المحمود.. أقسامه ودرجاته

الخوف على نوعين: (أحدهما) مذموم بجميع أقسامه، وهو الذي لم يكن من الله، ولا من صفاته المقتضية للهيبة والرعب، ولا من معاصي العبد وجناياته، وقد مرَّ ذكره في الموضوع السابق.
و(ثانيهما) محمود وهو الذي يكون من الله ومن عظمته ومن خطأ العبد وجنايته، وهو من فضائل القوة الغضبية، إذ العاقلة تأمر به وتحسنه، فهو حاصل من انقيادها لها.
وللنوع الثاني من الخوف أقسام: (الأول) أن يكون من الله سبحانه ومن عظمته وكبريائه، وهذا هو المسمّى بالخشية والرهبة في عرف أرباب القلوب، أما (الثاني) من جناية العبد باقترافه المعاصي. و(الثالث) أن يكون منهما جميعا وكلما ازدادت المعرفة بجلال الله وعظمته وتعاليه وبعيوب نفسه وجناياته، ازداد الخوف، إذ إدراك القدرة القاهرة والعظمة الباهرة والقوة القوية والعزة الشديدة، يوجب الاضطراب والدهشة. ولا ريب في أن عظمة الله وقدرته وسائر صفاته الجلالية والجمالية غير متناهية شدة وقوة ويظهر منها على كل نفس ما يطيقه ويستعد له. وأنّى لأحد من أولي المدارك أن يحيط بصفاته على ما هي عليه، فإن المدارك عن إدراك غير المتناهي قاصرة. نعم، لبعض المدارك العالية أن يدركه على الإجمال.
وأقل درجات الخوف مما يظهر أثره في الأعمال أن يكف عن المحظورات، ويسمّى الكف منها (ورعا)، فإن زادت قوته كف عن الشبهات، ويسمّى ذلك (تقوى)، إذ التقوى أن يترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، وقد يحمله على ترك ما لا بأس به مخافة ما به يأس، وهو الصدق في التقوى، فإذا انضم إليه التجرد للخدمة، وصار ممن لا يبني ما لا يسكنه، ولا يجمع ما لا يأكله ولا يلتفت إلى دنيا يعلم أنه يفارقها، ولا يصرف إلى غير الله نفساً عن أنفاسه فهو (الصدق)، ويسمّى صاحبه (صديقاً)، فيدخل في الصدق التقوى، وفي التقوى الورع، وفي الورع العفة، لأنها عبارة عن الامتناع من مقتضى الشهوات. فإذن يؤثر الخوف في الجوارح بالكف والأقدام.
بمَّ يتحقق الخوف؟
اعلم أن الخوف لا يتحقق إلا بانتظار مكروه، والمكروه إما أن يكون مكروها في ذاته كالنار، أو مكروها لإفضائه إلى المكروه في ذاته كالمعاصي المفضية إلى المكروه لذاته في الآخرة، ولا بد لكل خائف أن يتمثل في نفسه مكروه من أحد القسمين، ويقوى انتظاره في قلبه حتى يتألم قلبه بسبب استشعاره ذلك المكروه، ويختلف مقام الخائفين فيما يغلب على قلوبهم من المكروهات المحظورة: فالذين يغلب على قلوبهم خوف المكروه لذاته، فإما أن يكون خوفهم من سكرات الموت وشدته وسؤال النكيرين وغلظته، أو عذاب القبر ووحدته وهول المطلع ووحشته، أو من الموقف بين يدي الله وهيبته والحياء من كشف سريرته، أو من الحساب ودقته والصراط وحدته، أو من النار وأهوالها والجحيم وأغلالها، أو الحرمان من دار النعيم وعدم وصوله إلى الملك المقيم أو من نقصان درجاته في العليين وعدم مجاورته المقربين أو من الله سبحانه بأن يخاف جلاله وعظمته والبعد والحجاب منه ويرجو القرب منه، وهذا أعلاها رتبة، وهو خوف أرباب القلوب العارفين من صفاته ما يقتضي الهيبة والخوف، والعالمين بلذة الوصال وألم البعد والفراق، والمطلعين على سر قوله: (ويحذركم الله نفسه) آل عمران 28. وقوله: (اتقوا الله حق تقاته) آل عمران 152. وقيل: ذلك خوف العابدين والزاهدين وكافة العاملين. وأما الذين غلب على قلوبهم خوف المكروه لغيره، فإما يكون خوفهم من الموت قبل التوبة، أو نقضها قبل انقضاء المدة، أو من ضعف القوة عن الوفاء بتمام حقوق الله، أو تخليته مع حسناته التي اتكل عليها وتعزز بها في عباد الله، أو من الميل عن الاستقامة، أو إلى أتباع الشهوات المألوفة استيلاء للعادة، أو تبديل رقة القلب إلى القساوة، أو تبعات الناس عنده من الغش والعداوة، أو من الاشتغال عن الله بغيره، أو حدوث ما يحدث في بقية عمره أو من البطر والاستدراج بتواتر النعم، أو انكشاف غوائل طاعته حتى يبدو له من الله ما لم يعلم، أو من الاغترار بالدنيا وزخارفها الفانية، أو تعجيل العقوبة بالدنيا وافتضاحه بالعلانية، أو من اطلاع الله على سريرته وهو عنه غافل، وتوجهه إلى غيره وهو إليه ناظر، أو من الختم له عند الموت بسوء الخاتمة، أو مما سبق له في الأزل من السابقة.



