ثقافية

قراءة في قصيدة «السائر في جنازة أمسه» لطالب عبد العزيز

بيالبل

حيدر عبد الرضا
الصورة الشعرية بين مدلولها الباطن والظاهر
تشترك جميع الكلمات الشعرية في كونها تدخل فيما يسمى بكلمات (المحاكاة القصدية)، أي الكلمات والصور الشعرية النصية التي تعبر عن ذواتية أصوات، هي نفسها تقليد لأصوات ضمنية إيحائية وقصدية، بل أن الشاعر أحيانا يصوغ جل استبدالات تلك الايقونات الإيحائية الصوتية استناداً الى ما يمكن تسميته بــ(تشبيه الناظر) أو تشبيه شيئين بشيئين، وهو نموذج من أدوات اسلوبية التشبيه حيث يكاد يجعل من صورة الذات الشعرية الواصفة الى رقعة إيقاعية خاصة من أفكار وشكل وصور من التقابلية الخاصة المنجدلة بين هوية الذات المتكلمة وبين وسائطية خصيصة الآخر المتماهي. حين نقرأ قصيدة (السائر في جنازة أمسه) للشاعر المبدع طالب عبد العزيز بعدّها تشكل كيانا عضويا من خلال عملية مسار طويل في منظومة مركزية (الذات/ الباطن/ الظاهر/ الدليل)، ومثل هكذا خواص شعرية في أعمال شعرية طالب عبد العزيز راحت تقترب من مظاهر الخصب وصور الأرض وعناصر الطبيعة التي ترتبط بدورة تقلبات أوجه الحياة الشخصية والأخرى للشاعر نفسه: النهر ــ الطريق ــ الصباحات ــ السائرين.. ان القارئ لقصيدة الشاعر موضع بحثنا لعله يعاين مدى الأنبعاثية في دلالة توكيد أفق حسية الأشياء في كينونة ثنائية دوال (الذبول/ الموت/ الترقب) وصولا الى رؤية واحدة مركزة ومكثفة أخذت تطل منها الذات الواصفة على واقع متحول أشد التحول.. ينهض ويسقط باستمرار في انتظار منه لبلوغ الدليل الأكبر في دلالة (ما تركت لهم مبررا واحدا لقتلي).
ان المتفحص لمقاطع قصيدة الشاعر يلاحظ بأن قصيدته تتضمن طرفين: الأول هو مدلولها الباطن وهو الهدف الثانوي من استعمالها، وقد لا يكون هدفا على الإطلاق. أما الطرف الثاني فهو مدلولها الظاهر الرمزي المنزاح والذي يحملها الشاعر إياه وهذا هو الهدف الرئيس منها. فالقصيدة لدى طالب عبد العزيز تشبه الجمع بين حالات إيحائية منزاحة/ متجاوبة تعكس وجهة نظر ذواتية ما في حقيقة واقعة قصدية ما فيما لا تكون علاقاتها مصحوبة وواضحة بل تبدو أحيانا خاضعة لمنطق السياق الشعري تماما كالرموز الأنزياحية التي تندرج في الأسطورة الشعرية.
لا تحملوا جثتي الى وادي السلام
الطريق الى النجف جد طويل
دعوها رطبة، غضة على الأنهار في أبي الخصيب
أن حالة توضيح علامات الرؤية الشعرية من خلال مواطن مقاطع دوال القصيدة وفي مرحلتها الأولى، تبدو لنا كأنها عرض لإحياء ما نسميه بـ(الدوال الهائمة). فالشاعر من خلال مقاطعه الشعرية راح يوكل صلته الخطابية باللا وعي الآني/ الظرفي ليجوب بأوجاعه استباقات زمانية وقصدية لا تتقبل سقفا واهيا.. والى جانب ما تيقن به الشاعر (لا تحملوا جثتي) بدت دلالة الذات الواصفة أكثر حيوية في وجودها الكيفي/ المكاني/ العلاماتي وتنظيراتها المثقلة بعقدة النتائج الإستباقية المتمثلة بجملة البدء المكانية (الى وادي السلام)، لذا فرؤية الذات التحقيقية لدى الشاعر هي بمثابة المؤشر إلى نفوذها في حجم الإيهام تمهيدا بواقعة المكانية/ استقصائية الشاعر وربما يكون ذلك الصراع الذواتي المنزاح جزءا من الكوميديا السوداء التي يقترحها باطن الشاعر في لعبته الحدادية في حالة انزياحية بقعة التطهير/ الإنحراف:
(الطريق الى النجف جد طويل/ دعوها رطبة/ غضة على الأنهار في أبي الخصيب). هكذا بدت التجربة في مقاطع القصيدة على عدّها مرحلة لتقسيم الافتراضات الأكثر اتساعا في خيال الشاعر. وما بدا التأكيد عليه (لا تحملوا جثتي الى وادي السلام)، هو حالة من التفريق بين (الحلم/ اليقظة/ التمني/ الظاهر من الحال القولي) أيضا، ولكي تتسامى الذات الواصفة على أسطح الموجودات الكيفية ـ فالذي بات يتحقق في توقعات مقاطع النص هو إيهاما حلميا لإطلاق إسقاطات الشاعر حول أوهامه اللصيقة بتوجيه رغبته التي راحت تتعالى داخل طي جثمانه الافتراضي المعذب: (دعوها رطبة/ غضة على الأنهار). ان فاعلية الاهتمام المتواصل بالتماثلات الإضافية التي يقدمها الموصوف الخطابي هو الغاية التي يستأثرها الشاعر عبر تعارضاته القائمة في مسار التجربة القولية، وربما نجد أن كثيرا من التماثلات التي تندرج في منظومة خطابية المعنى لا تتعدى كونها اعتراضات تبرر اهتمامنا بقضايا باطنية خاصة تمتلك خصائصية ومكتسبات رمزية تحولاتها في صورية وجه الموضوعة الشعرية.
فدعوني هنا..
لا أحبني مربوطاً بالحبال على المركبات
وإن لم يكن لكم من بد علي
وسدوني الرمل، لصق سيدي البصري
حيث يرقد أشياخي: السياب والبريكان وعبد الوهاب وتبعاً لذلك نعاين بأن لخصوصية الأسماء في صلب مقولات الذات الشعرية ما يجعلها تتبنى مجالا اعترافيا لا يمكن تجاهله أو الانزواء عنه. وعلى وفق طبيعة فضاء مدلول هذا الخطاب التخصيصي في النص يتبدى لنا صوت أشباح الشعراء الراحلين عن عوالم الشاعر حيث تبدو لنا فاعلية معرفتهم بمثابة التسلل نحو مقولة تصورات دلالات ذهنية الشاعر العزائية: (فدعوني هنا/ لا أحبني مربوطا بالحبال على المركبات)، فالذات المتكلمة هنا ما هي إلا صفاتية خازنة لمستلزمات البقاء والديمومة الرافضة للعيش في غرق العلاقات القائمة في مرجعيات حياته الشخصانية، لذلك بات يحبذ أن يدفن في رحم تربة أجساد أولئك الشعراء الذين رحلوا عن أيامه الجميلة (لصق سيدي البصري/ حيث يرقد أشياخي). وتبعا لهذا يبدو أمر الأنتقالات النفسية الخاصة لدى الشاعر جاءتنا رثائية مهللة للتعبير عن مضامين تستحق الجزم على أنها في الوقت نفسه تشكل ثمة معادلة ابلاغية قد توجت لمؤشرات الإيهام الشعري برصيد إيجابي وقد أعطت لبنية التماثل بوظيفة الحس أبعادا تحولية خاصة مصدرها أفقية تشكلات مدلولية مذهلة. فالشاعر لا يعتقد بصيغة الافتراض كتصور لنصه، بل انه راح يجسد حالة تحقيق ما أوجده من محاكاة تصورية في دلالة جملة (اعلم أن السائرين تحت مقعدي سيقولون أشياء كثيرة)، كذلك الحالة نلمسها في جملة (على حملة المصاحف في النهار)، وفي دلالة جملة (باعت الخمر المغشوش في الليل على سائقي المركبات المسرعة). ان المكونات الموضوعية في واقعة القصيدة نجدها مكونات من الحسي أو المتخيل أو الممكن حيث تمثل لنا بالتالي باعثا متخلقا في ذات الشاعر، وهو ما يشكل بدوره بنية موضعية ذات رؤية ادراكية تجسد الرؤية للعالم انطلاقاً من تضافر بعدين:
الأول، اجتماعي/ نفسي منطلق من الواقع المعيش الشخصي. والثاني، فردي منطلق من خيال الشاعر نفسه (لكم أرعبتني نظاراتهم السود/ نعم، جدفت جدفت كثيرا عليهم/ وسأجدف غدا وبعد غد).
تعليق القراءة
قد تمثل صورة الحدث السياسي والاجتماعي والنفسي والفردي لدى الشاعر ما جعله يقع في فضفضة مقولات بواطنه الشخصية والاعتبارية الباطنة والظاهرة. وهذا الأمر ما أخذت تصدر عنه مقولات ووظائف القصيدة حيث تشكل عنصرا موضوعيا مسبقا يتبناه الشاعر لنفسه موظفا له كيفيات دقيقة من الإداء الشعري المنزاح على نحو افتراضي مؤثر، خصوصا عند وضوح نزعة (المناجاة/ المنولوجية) والحوارات و المجادلات الباطنة وما تضمره أو تكشف عنه من أفكار سياسية وصراعات اجتماعية شخصية غير محددة راح يتبناها الشاعر ليعمل على اشاعتها أو رفضها فيعنى بتنفيذها بالجدة الباطنية والقصدية الظاهرية غير المعلنة.
وإن أخطأتني الصوائت والكواتم
فسأجدف ثانية وثالثة..
ذلك لأني أكرههم جميعا
من سلبيات المكون الموضوعي في القصيدة هو هيمنة ارهاصات
الشاعر النفسية على مساحة معطيات فكرة القصيدة الشعرية. حيث نجد توظيفه المؤدلج يستلهم الأفكار الواقعة المعاشة لا الرؤية الشعرية الإدائية الكامنة في أفق دلالات الانزياح الموضوعي الشعري (أولئك الذين ما تركت لهم مبررا واحدا لقتلي).
هكذا تنتهي قصيدة (السائر في جنازة أمسه)، تاركة خلفها المزيد من الفواعل والأفعال والأرهاصات الماضوية التي أخذت تنعكس على مرايا مخيلة الشاعر الشخصانية ومن دون مبرر واحد في صنيع قتله الافتراضي الحاصل في مسار كينونته النفسانية التي راحت تعانيها ذاتيته الشعرية في كل يوم وفي كل غد وفي كل لغة وفي كل شكل دوال مرتبة منطقيا أو انزياحيا حيث ينتج عنها أخيرا في كل زمن تلك الذات الشاعرة وهي بين مدلولها الباطن ومدلولها الظاهر وفي أطوارها الارتقائية والابداعية الممكنة كافة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى