قمامة تافهة

عبد القادر لحميني
البعض يدفعون بك قسرا كي لا تكون.. حتى قطط الشوارع تفعل هذا، تخدش وجوه بعضها من أجل قمامة تافهة، فيحتدم بينها القتال. خرج جرذ صغير يتسلل حذرا من بالوعة مياه، يرتجف من الخوف والبلل. قلت له: لا تخف، عليك الأمان، اذهب إلى حيث تريد، أنا هنا لست لأصادر حقك في الوجود، أنت كائن وأنا كائن؛ أولئك الذين يظنون أنهم يملكون الشارع، وحدهم تافهون.
تعجبني الشمس لأنها بعيدة، أما القمر فأكره فيه كثرة الغياب. أوراق خفيفة، يهزأ منها الريح الخافت مع همسات الليل، يدفع بها على مهل من وسط الشارع إلى الهامش. قلت: يا عجبا.. حتى الريح متآمرة! أين تدفع بهذه الأوراق بين شجرة الزنبوع والحائط ثَم وكري؟ نسجته في الظل، البعض يسميني المجذوب والبعض يسميني الأحمق. ملائكة الليل عندي أحسن من شياطين النهار، هي الأقرب إلى قلبي، ربما لأنها تقاسمني المَلَل والعِلل، وقفت إلى جانبي عاهرة قديمة أعرفها جيدا وأعرف تاريخها المهني المجيد، تاريخ العاهرات كله هروب. تسأل هي الأخرى، عن عود ثقاب أو ولاعة، وتنظر غير راضية إلى هندامها الأنيق بمقت. قلت لها: أنا لا أدخن.. التدخين يقتل.
قهقهت عاليا وبصقت بجانبي وانصرفت تاركة وراءها نسمة عطر رديئة ممزوجة برائحة نبيذ، لا أتخيل شارعا جميلا من دون جرذان وقطط وعاهرات وريح وأوراق.
النفايات أعدّها جزءا من بريق هذا الجمال الأخّاذ، ألا تؤثث بعفويتها الفضاء؟ حملات التمشيط الدورية تستهدف هذه الكائنات الضعيفة، تعدّها عبءاً إضافيا على المدينة، وتحشرها بعيدا إلى مكان خال بغية التخلص منها جملة واحدة، لكنها تجمع شتاتها، وفي المساء تعود مجهدة لتكتسح الشارع ثانية من جديد لتبدأ معنا الحياة، وأنا أنظر إلى هذا المد والجزر، وكيف يحضن بحر الزمن ارتطام الأمواج وصلابة الصخر. قلت: يا عجباً! وقفت إلى جانبي عاهرة أخرى حديثة عهد بالمهنة، قالت لي: ما الذي كنت تحدث به نفسك، أيها المجذوب؟ قلت لها: لا شيء يا بُنَيتي.. كنت أقول: يا عجباً! قالت لي: ما الذي كانت تقوله لك تلك الذائعة التي فاتها القطار، والتي تريد أن تستفزني دائما بالحضور؟ دائما أقول لها: ابتعدي عن طريقي، فيما هي مصرة على المرور. هذا الشارع شارعي، أحبت أم كرهت، كل البنات يعرفن هذا.تبسمت وقلت: يا عجباً! البعض يدفعون بك قسرا كي لا تكون, حتى قطط الشوارع تخدش وجوه بعضها من أجل قمامة تافهة..




