التربية الجهادية في كتاب الله

واحدة من الأساليب التربوية الجهادية الخاصة التي وَردتْ في القرآن الكريم لدفع المسلمين إلى الجهاد، هي إثارة غريزة فطرية عند الإنسان، وهي حس الدفاع عن النفس والعرض والمال والدين، وتحريك حسّ الثأر للمظلومين وطلب القصاص والثأر للدماء البريئـة، هذا الإحساس له جذوره الفطرية في طبيعة الإنسان، إذ أن كل إنسان، بل كلّ حيوان ذاتاً ومن منظار أصل الخلقة يقف في مواجهة المُعتدين عليه لينتقم منهم، ويدافع عن حقوقه.
وفي هذه الجهة وردت بعض آيات الجهاد لجعل هذا الإحساس أكثر قوة وفاعلية وأكثر تحريكاً ودفعاً إلى إحقاق الحقّ والانتقام من الظّالم والمعتدي، وفي هذا المضمار يخاطب الله تعالى المسلمين: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ).
لقد أشار الله تعالى في هذه الآية إلى حقيقة ثابتة في علم النفس وهي الدفاع عن النفس، والتذكير والتأكيد الإلهي على هذه الحقيقة كان من أجل تحريك حسّ الثأر من الأعداء الذين كانوا يهاجمون المسلمين ويقتلونهم ويعتدون عليهم، وحتى لا يتردَّد المسلمون مستقبلاً في حرب عدوّهم والانتقام ممن يقاتلهم ويقتلهم.
لقد كان من الممكن أن يستفيد من تعابير مختلفة في الآية لأجل بيان حكم القتال، كأن يقال مثلاً: (قاتلوا في سبيل الله المشركين) أو (الذين أشركوا) أو (الكفار) ولكن لا يمكن لأيٍّ من هذه التعابير أن يفي ببيان تلك الحقيقة النفسية.
واصطلاحاً يمكن القول، إن التعبير في هذه الآية بـ(الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) مشعر بالعلية يعني: بما أنهم يقاتلونكم عليكم أنتم أيضاً أن تقاتلوهم، وهذا تعبير وبيان عن حسّ الثأر الذي سيدفع المسلمين للتحرّك والدفاع عن أنفسهم، والتجهيز لمحاربة الذين يحاربونهم انطلاقاً من هذه الحقيقة النفسية وهذا الحس الفطري بالدفاع عن النفس والثأر من الظالم.
وفي الآية التي تلتها أيضاً، ورد تعبير: (وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) وهذا أيضاً فيه تحريك لروح الانتقام عند المسلمين أكثر فأكثر، لينهضوا إلى حرب الأعداء بتصميم وجدية أكبر ولكي لا يبخلوا بتقديم أية تضحية في ذلك الطريق.
يقول الله تعالى: (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَوُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّوُمِنِينَ).
ففي هذه الآية الشريفة يدعو الله تعالى المسلمين إلى قتال المشركين الذين نكثوا الأيمان والعهود التي التزموا فيها بعدم التعدّي عليكم أو التعرّض لكم، فهم الذين أخرجوا نبيكم وقائدكم وأجبروه على الرحيل من مكة مهاجراً إلى المدينة تاركاً وراءه بيته وعائلته وكل ما يملك.
وهم أيضاً الذين بدأوكم بالحرب، وعليه لم يبقَ أمامكم مع هؤلاء طريق إلا الحرب والقتال، لذا عليكم أن تقاتلوهم بكل شجاعة، وأن لا تخافوا منهم لأن الله أحق أن تخشوه.



