الردّ المناسب.. في الوقت المناسب

بقلم: عماد الحطبة..
“أكبر هجوم بالطائرات المسيّرة في التأريخ”، “أول هجوم واسع ينقل على الهواء مباشرة”، بعض من تعليقات وسائل الإعلام الغربية على الرد الإيراني على العدو الصهيوني. لم يكن هناك شك بأن الردّ الإيراني مقبل، كلّ الأسئلة دارت حول توقيت الردّ الإيراني وحجم هذا الرد. الأهم أن العدو استخدم جميع الوساطات الممكنة بما في ذلك التهديد في محاولة لثني إيران عن إطلاق عملية الرد. وللمرة الأولى لم تلجأ إيران إلى الصمت المرعب، بل جاءت التصريحات من كل المستويات القيادية بأن إيران تتجهّز للقيام بالرد المناسب.
على مدى عدة أيام شخصت أنظار العالم نحو إيران، وانطلقت التحليلات من كلّ بقعة في العالم في محاولة للتنبّؤ بالخطوة الإيرانية المقبلة. ولأن محور المقاومة أتقن سياسة إيقاف العدو على “رجل ونص”، فقد وقف العالم كله على “رجل ونص” يراقب المسيّرات والصواريخ الإيرانية وهي تعبر أجواء عدة دول، تحتشد فيها القواعد الأميركية والغربية، وأطلقت صفارات الإنذار في كل أنحاء فلسطين، وفتحت الملاجئ والمقار الآمنة، وكأنّ سماحة السيد حسن نصر الله كان يرى ما هو مقبل عندما توجّه إلى العدو بقوله: عليك أن تفتح الملاجئ والمدارس والخيام لأكثر من مليون لاجئ.
بالتأكيد لم يغب عن ذهن القيادة العسكرية الإيرانية أن قوى العدوان وحلفاءها سيقومون بكل ما يقدرون عليه لإحباط الرد الإيراني بجزئيته العسكرية. وهذا ما أركن إليه خصوم محور المقاومة، ليشكّكوا بفعالية الرد الإيراني وأهميته. لكن حساب بيدر العدو لم يوافق حساب محصول المقاومة. فإيران أعلنت أن العملية ستكون رداً على الهجوم الغادر على قنصليتها في دمشق، أي أنها عملية محدودة الأهداف، وليست إعلاناً للحرب الشاملة التي تتوق “إسرائيل” لإطلاقها في المنطقة.
يطرح خصوم المقاومة وعملاء الاستعمار تساؤلاً حول السبب الذي دفع إيران إلى اللجوء لردّ محدود، بدلاً من استخدام قوتها كاملة في الرد على العدو.
الهدف من السؤال التشكيك بالرد الإيراني، ووضعه في خانة اتفاق وهمي بين إيران والولايات المتحدة. فقد سبق لإيران أن أعلنت أنها لا تخطّط لتوسيع المعركة في المنطقة، بل إن محور المقاومة يعلن وبصراحة أن هدفه هو وقف العدوان الإجرامي على غزّة، لإيقاف المجازر التي تُرتكب بحق المدنيين. يعلم محور المقاومة أن العدو يبحث عن توسيع المعركة لإطلاق يده في الاستمرار بعملياته العسكرية وبشكل خاص عملية اقتحام مدينة رفح، وكذلك ضرب البنية التحتية للمقاومة في لبنان والعراق واليمن وسوريا.
سياسياً، فرضت إيران أجندة المقاومة على العالم، كان رد الفعل الأميركي الأوّلي الطلب من “إسرائيل” عدم الردّ على الهجوم الإيراني من دون التشاور مع الإدارة الأميركية، ورغم إعلان الرئيس بايدن قيام الولايات المتحدة بمساعدة “إسرائيل” في التصدّي للهجوم الإيراني، إلا أنه سرعان ما أعلن أن بلاده ستعقد لقاءً مع مجموعة الدول السبع للاتفاق على ردّ دبلوماسي على إيران.
الموقف الروسي والصيني الذي ربط الردّ الإيراني بفشل الأمم المتحدة وخاصة مجلس الأمن في اتخاذ إجراءات رادعة بحقّ “إسرائيل”، يشير إلى أن أي محاولة لإصدار بيان إدانة لإيران في مجلس الأمن سيواجه بفيتو مزدوج من الصين وروسيا. الأهم أن الدول الأوروبية ستضطر إلى إعادة حساباتها فيما يتعلق بالدعم الدبلوماسي المطلق للمخططات الإسرائيلية، وانعكاسات هذا الدعم على الاستقرار في المنطقة، وتهديده بانفجار حرب إقليمية تعمّق الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعاني منها أوروبا.
إضافة إلى استقبال الجماهير الفلسطينية للردّ الإيراني بفرح عارم، فإن هذا الرد جاء ليقدّم دعماً ضرورياً وحاسماً لموقف المقاومة في مفاوضات وقف إطلاق النار.
لقد حضرت إيران على طاولة المفاوضات وبقوة، وأصبحت أجندة هذه المفاوضات مفتوحة على ما يتجاوز الحرب على غزّة، نحو تسوية مؤقتة شاملة على جميع جبهات المواجهة مع العدو، بشروط وقواعد اشتباك جديدة تراعي مصالح قوى المقاومة وتعزّز حضورها السياسي والعسكري.
انتهى الرد الإيراني، ولو بشكل مؤقت، لكن تبعاته سوف تستمر لوقت طويل، وأقرب هذه التبعات تأجيل أي عملية عسكرية باتجاه رفح، وكذلك الدفع نحو اتفاق هدنة في أقرب فرصة ممكنة.
أما على المدى الاستراتيجي فإن آثار هجوم 14 نيسان، لن تقلّ في أهميتها عن هجوم السابع من تشرين الأول، في ضرب الفكرة التي قامت عليها “إسرائيل”. فهذه الأرض ليست مكاناً آمناً إلا للشعب الفلسطيني المتشبّث بترابها، وهذه المنطقة لا مكان فيها للغرباء المحتلين.



