إيران والمشـروع الحضـاري الإسلامـي البديـل
إذا كانت المرحلة الأولى والثانية من الثورة قد نجحت نجاحا باهرا أدهش العالم، بحيث استطاعت في وقت وجيز من إسقاط أعتى نظام دكتاتوري في المنطقة كان يعد شرطيا لأمريكا في المشرق العربي والإسلامي، وإقامة دولة إسلامية بنمط جديد يختلف عن الأنماط الإسلامية التاريخية القديمة، فلأن الفضل في ذلك يعود لقيادة رجل رباني جليل بحجم الإمام الخميني (ره).
والذي بعظمته وذكائه وسعة علمه واطلاعه، عرف كيف يجترح نظاما إسلاميا مؤسساتيا جديدا يعتمد مبدأ الشورى بمفهومه القرآني الواسع، من دون أن يكون نظاما دينيا بالمفهوم الكهنوتي كما هو الحال في «السعودية» مثلا، نظام ثوري جديد هدفه ضمان الأمن الروحي للناس باختلاف عقائدهم ، وتأمين حاجياتهم الدنيوية وحقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، لكي ينعموا بالرفاهية في الدنيا والسعادة في الآخرة ، وهو ما لم ينجح في تحقيقه أي نظام إسلامي سابق بما في ذلك زمن الخلافة ، الأمر الذي مكّن الإمام الخميني (ره) من دخول التاريخ الإسلامي والعالمي المعاصر من أوسع أبوابه ، فأصبح علما من أعلامه الكبار.
وبعد تسليمه الروح لبارئها ، أتى بعده وارث سره الإمام الخامنئي ، ليكمل مسيرة الثورة الإسلامية المجيدة في مرحلتها الثالثة التي تعيشها إيران اليوم كما أسلفنا ، وما تحقق في عهد الإمام الخامنئي في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ الثورة الإيرانية من تحرر وسيادة واستقلال ، وما حققه الشعب الإيراني من تقدم وتطور ورقي ، وقدمه للحضارة الإسلامية من إنجازات وضعت إيران في مصاف الدول المتقدمة ، فتبوّأت مركز القوة الإقليمية الكبرى في المنطقة بما تتمتع به من مقدرات ومؤهلات وقوة ردع جبارة ، وها هي اليوم تتطلع للعب أدوار دولية وازنة في مسيرة الحضارة الإنسانية بأنموذجها الإسلامي الناجح والفريد.
لكن ما يجب ملاحظته ، هو أن إيران لم تعد يوما الثورة الإسلامية ثورة خاصة بها ، بل كانت ومازالت تطمح لأن تكون ثورة الأمة الإسلامية جمعاء ، لأن هدفها النهائي وكما أسلفنا ، هو بناء حضارة إسلامية جامعة لكل شعوب ومكونات الأمة وفق الرؤية القرآنية والمحمدية للوحدة التي لا تعني التبعية والاستلاب بقدر ما تعني التعاون والتضامن والتكافل والبناء من أجل قوة ومنعة وخير الأمة الإسلامية ، لتكون كما قال عنها خالقها «أحسن أمة أخرجت للناس».
وحيث أنها ثورة إسلامية بامتياز ، تستمد مبادئها من التعاليم القرآنية ومن السنن الإلهية والسيرة المحمدية ، فقد وضعت ضمن أولوياتها دعم المقاومات الشعبية سياسيا ومعنويا وماديا وعسكريا ضد العدوان التكفيري الذي تقوده مهلكة “آل سعود” اليوم لتفتيت الأمة كي لا تقوم لها قائمة ، وضد الاحتلال الصهيوني للأرض والمقدسات ، لتؤسس المقاومات العربية والإسلامية المنبثقة من رحم الشعوب قواعدها الجهادية الخاصة ، ولتوجه بوصلتها النهائية بعد هزيمة التكفيريين والمنافقين نحو تحرير فلسطين التاريخية وعاصمتها القدس الشريف..
وبموازاة دعم المقاومات الجهادية ، تقدم إيران الدعم المعنوي والمساندة السياسية للشعوب المستضعفة من منطلق الواجب الديني والأخلاقي ، لمساعدتها على التحرر من أنظمة الظلم والاستبداد والفساد الجاثمة على صدورها بالقمع والقهر للحؤول دونها ودون حلمها في الحرية والانعتاق، واسترداد سيادتها الشرعية المسروقة من قبل فراعنة العصر.
لهذا السبب ، من الطبيعي أن تتحول إيران إلى عدو ويصبح تحالف الطغاة الظلمة الفاسدين مع الصهاينة ضرورة استراتيجية بل ووجودية ، ومن هنا نفهم سبب الحملة الظالمة المستعرة التي تخوضها مهلكة «آل سعود» ومن والاهم من منعدمي الضمير ضد إيران والمقاومة الإسلامية الشريفة في لبنان وسوريا والعراق واليمن.
وهذا موضوع أشبعناه بحثا وتحليلا وأصبحت الصورة واضحة جلية اليوم للجميع ، باستثناء من أعمى الله بصره وبصيرته ، ولعلكم تذكرون أيها الأعزاء حين قلنا أن من عادى أولياء الله آذنه تعالى بحرب مباشرة منه.
وقد كنا شهودا على بعض من فصول الوعد الإلهي الذي بدأ يتحقق ، إذ بمجرد اتهام حزب الله بالإرهاب من قبل «آل سعود» ومن اشتروا موقفهم بالمال الحرام من العملاء ، انقلبت الصورة بشكل دراماتيكي ، حيث رأينا كيف أن العالم أجمع ومن خلال كبار كتابه ومحلليه ونخبه السياسية والثقافية المرموقة أصبح لا حديث له اليوم إلا عن إرهاب «آل سعود» من أمريكا إلى أوروبا إلى آسيا فالعالم الإسلامي والعربي ، ورأينا كيف أن سادة «آل سعود» في واشنطن بمن فيهم كبيرهم الشيطان أوباما يتهمهم جهارا نهارا بدعم الإرهاب ونشر الطائفية والفكر التكفيري في كل أصقاع الأرض ، ويقول عن إيران أنها نظام عقلاني غير مغامر.
وها هو الكونغرس الأمريكي يتأهب تحت ضغط الرأي العام للكشف عن مسؤولية «آل سعود» في هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، وتشريع قانون جديد يقضي بمتابعتهم قضائيا ، والشعب الأمريكي لا يمكن أن يتنازل عن حقه في العدالة مهما حاول أوباما تبرير عدم المتابعة بنطق المصلحة.
وقد رأينا أيضا كيف فضح الله أمراء البنتاغون حيث سقط أحدهم في لبنان ، وكيف استدعي الحريري من قبل القضاء الفرنسي للتحقيق معه في تهم تتعلق بتهريب المخدرات القوية وتبييض المال الحرام ، وكيف أن امبراطوريته المالية سقطت في مستنقع الإفلاس ، وراح يستجدي الرئيس بوتين عساه يتوسط له للعودة رئيسا لوزراء لبنان ، كي يبيع خيرات ومقدرات الشعب اللبناني في سوق النخاسة السياسية ليسترجع ما ضاع منه من عز ومجد.
أليست هذه تجليات لبعض أوجه حزب الله على من اتهم أولياءه بالإرهاب لأنهم يحاربون التكفيريين و«إسرائيل»، ومن اتهموا الحزب أيضا بالاتجار في المخدرات ظلما وعدوانا ، فأصبحوا مطلوبين اليوم للقضاء من أجل نفس التهمة وبالحجة والبينة .
وبالتالي، فالمشروع لا يمكن اعتباره وليد الحاجة الظرفية التي فرضها واقع التحولات الدولية وما عرفته ولا تزال المنطقة من صراعات طفت على السطح بشكل دراماتيكي بعد الربيع العربي الدامي ، الذي لم يولد من فراغ، بل كان نتيجة طبيعية لعقود من السياسات الكارثية العقيمة التي انتهجتها الأنظمة العربية منذ أن قررت التخلّي عن السيادة والاستقلال وحلم الوحدة الذي كان تحرير فلسطين أولى محطاته الإجبارية ، فانخرطت بعد حرب 1973 في مسلسل التطبيع مع إسرائيل ، بعضها بشكل رسمي والغالبية بشكل سري ، واندمجت كليا في النظام الرأسمالي الأمريكي المتوحش ، ففوتت قطاعاتها العامة وتخلت عن خيرات الشعوب ومقدراتها لفائدة الشركات العابرة للقارات ، ولم يعد الاهتمام بمجال التنمية المجتمعية من أولوياتها إلا في الخطابات الرسمية من باب التضليل والتعمية ، وحوّلت مجتمعاتها إلى مجتمعات استهلاكية للسلع الغربية ونهجت سياسة التبعية الأمنية للغرب الاستعماري ، فعمّ الظلم والفساد كل الهرم من الحكومات إلى الأحزاب والنخب .. والحصاد الطبيعي لهذا الزرع الخبيث هو ما نراه اليوم من انهيار للدول والشعوب واندثار للنخب ، وانقسام المجتمعات إلى طوائف ومذاهب وكانتونات وبروز نجم الحركات الانفصالية والتنظيمات التكفيرية.
لذلك ، لم يأتِ إعلان الإمام الخامنئي عن بدء صياغة المشروع الحضاري الإسلامي البديل من باب استغلال الظرفية الدقيقة والحساسة التي يمر منها العالم العربي والإسلامي اليوم بهدف ملء الفراغ كما قد يتصور البعض ، بل هو حلقة أساسية في مسار تشكل الدولة وتكوين المجتمع للنهوض الحضاري في إطار مشروع حداثي بطابع إسلامي وفق الأنموذج الإيراني الذي وضعه الإمام الخميني (ره) بعد نجاح الثورة الإسلامية عام 1979، في إطار خطة استراتيجية بعيدة المدى كما أسلفنا القول في الجزء الأول من هذا البحث ، وهو الأنموذج الذي ثبت نجاحه المدهش حتى الآن ويسير بخطى حثيثة وواثقة عبر المراحل الخمسة التي تحدثنا عنها آنفا ، نحو مستقبل مشرق واعد ، لذلك تسعى أمريكا والغرب الأطلسي بكل الوسائل والسبل بما في ذلك استعمال الأدوات الإقليمية كـ«السعودية» وتركيا لإشعال الفتن والحروب الطائفية والمذهبية من خلال استراتيجية الحروب الناعمة كما أصبح واضحا للجميع ، وذلك لعرقلة المشروع الإيراني وإجهاضه كي لا يتحول إلى رافد إسلامي جامع ومشروع حضاري بديل لنموذج الخراب النيوليبرالي الذي دخل مرحلة الانحدار والأفول…
يتبع..



