اخر الأخبار

ولادة ريحانة رسول الله الإمام الحسين «ع»

فثقفق

نعيش هذه الأيام في رحاب أبي الشهداء الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب “عليهما السلام”,وُلد الإمام الحسين(ع) بالمدينة في اليوم الثالث من شهر شعبان من السنة الرابعة للهجرة النبوية الشريفة، وعندما زُفت البشری إلی رسول الله “صلی الله عليه وآله وسلم”، بميلاد الحسين “عليه السلام” أسرع إلى دار علي وفاطمة وسماه حسينا. لقد عاش الإمام الحسين(ع) ستاً وخمسين سنة، وأشهراً، ستة أعوام وأشهراً قضاها مع جده رسول الله (ص) وثلاثين سنة بعد جده مع والده علي(ع) وعشر سنوات بعد والده مع أخيه وعشر سنوات بعد أخيه. وقد استُشهد(ع) في يوم عاشوراء عام 61 هجرية في كربلاء بالعراق، ودفن جثمانه الطاهر في نفس تلك الأرض، التي استُشهِد فيها.
الأبعاد المعنوية في شخصية الإمام الحسين (عليه السلام)
البعد “العرفاني” يختزل شخصية الإمام الحسين (عليه السلام) ويمنح “عاشوراء” عظمتها وخلودها,إن من جملة عشرات بل مئات الخصائص التي تنفرد بها الأمة الإسلامية بفضل القرآن والإسلام وأهل البيت؛ هي أن لهذه الأمة قدوات كبيرة ومشرقة نصب عينيها. وللقدوات أهميتها في حياة الشعوب. فإذا ما وجد لدى أمة شخصية فيها نفحة عظمة، فإن تلك الأمة لا تنفك عن تمجيد تلك الشخصية والتغني بها وتخليد اسمها؛ من أجل توجيه المسار العام لحركة تلك الأمة في الاتجاه المتوخي لها. وقد لا يكون هناك في الواقع أي وجود حقيقي لمثل هذه الشخصية، وإنما يستقى من شخصية خيالية مطروحة في القصص والأشعار والأساطير الشعبية. وهذا كله نابع من حاجة الأمة لرؤية قدوات كبار أمام عينيها من أبنائها. وهذه الظاهرة موجودة في الإسلام على نحو وافر ومنقطع النظير. ومن جملة أكابر تلك القدوات هي شخصية أبي عبد اللَّه “عليه السلام”؛ إمام المسلمين وسبط الرسول، والشهيد الكبير في تاريخ الإنسانية.
الشهادة والعرفان‏
لشخصية الإمام الحسين “عليه السلام” الباهرة، بعدان اخران: بعد الجهاد والشهادة والإعصار الذي أحدثه على مدى التاريخ. وسيبقى هذا الإعصار على ما يتَّسم به من بركات مدوياً على مدى الدهر. وأنتم مطَّلعون على هذا البعد الأول. أما البعد الاخر فهو بعد معنوي وعرفاني. ويتجلَّى هذا البعد في دعاء عرفة بشكل واضح وعجيب. وقلَّما يوجد لدينا دعاء يحمل هذه اللوعة والحرقة والانسياق المنتظم في التوسُّل إلى اللَّه والابتهال إليه بالفناء فيه. إنه حقاً دعاء عظيم.
ثمَّة دعاء اخر ليوم عرفة ورد في الصحيفة السجادية عن نجل هذا الإمام العظيم. كنت في وقت أقارن بين هذين الدعائين. فكنت أقرأ أولاً دعاء الإمام الحسين، وأقرأ من بعده الدعاء الوارد في الصحيفة السجادية. وقد تبادر إلى ذهني مرات عديدة أن دعاء الإمام السجاد “عليه السلام” يبدو وكأنه شرح لدعاء يوم عرفة. فالأول أي دعاء الحسين “‏عليه السلام” في يوم عرفة هو المتن والثاني شرح له. وذاك أصل وهذا فرع. دعاء عرفة دعاء مذهل حقاً. وفي خطابه “عليه السلام” الذي ألقاه على مسامع كبار شخصيات عصره وأكابر المسلمين التابعين في منى تجدون نفس تلك النغمة والنفس الحسيني المشهود في دعاء عرفة. ويبدو أن خطابه ذلك كان في تلك السنة الأخيرة، أو ربما في سنة أخرى غيرها. لا استحضر ذلك حالياً في ذهني، لكنه مسطر في كتب التاريخ والحديث.
إذا نظرنا إلى واقعة عاشوراء وأحداث كربلاء؛ فمع أنها ساحة قتال وسيف وقتل، لكنكم ترون الحسين “عليه السلام” يتكلم ويتعامل بلسان الحب والرضا والعرفان مع اللَّه تعالى. اخر المعركة حيث وضع خده المبارك على تراب كربلاء اللاهبة، تراه يقول: “إلهي رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك”. وكذا حين خروجه من مكة يقول: “من كان باذلاً فينا مهجته وموطناً على لقاء اللَّه نفسه، فليرحل معنا”. كل قضية كربلاء ترون فيها وجه العرفان والتضرُّع والابتهال. اقترن خروجه ذاك بالتوسل والمناجاة وأمنية لقاء اللَّه. وبدأ بذلك الاندفاع المعنوي المشهور في دعاء عرفة، إلى أن انتهى به المطاف في اللحظة الأخيرة، إلى حفرة المنحر حيث قال: “ورضاً بقضائك”.
معنى هذا أن واقعة عاشوراء تعدّ بحد ذاتها واقعة عرفانية. ومع أنها امتزجت بالقتال والقتل والشهادة والملحمة ـــــ وملحمة عاشوراء صفحة رائعة بشكل يفوق التصور ــــ ولكن إن نظرتم إلى عمق نسيج هذه الواقعة الملحميَّة لرأيتم معالم العرفان والمعنوية والتضرع، وجوهرية دعاء عرفة. إذن فهذا هو البعد الاخر في شخصية الإمام الحسين‏ “عليه السلام”، وهو ما ينبغي أن يكون موضع اهتمام إلى جانب البعد الأول المتمثل بالجهاد والشهادة.
القضية التي أود الإشارة إليها؛ هي أنه يمكن القول قطعاً أن هذا الاندفاع المعنوي والعرفان؛ والابتهال إلى اللَّه والفناء فيه؛ وعدم رؤية الذات أمام إرادته المقدَّسة، هو الذي أضفى على واقعة كربلاء هذا الجلال والعظمة والخلود. أو بعبارة أخرى، أن البعد الأول ــــ أي بعد الجهاد والشهادة ــــ جاء كحصيلة ونتاج للبعد الثاني. أي نفس تلك الروح العرفانية والمعنوية التي يفتقد إليها الكثير من المؤمنين ممن يجاهدون وينالون الشهادة بكل ما لها من كرامة؛ نفس تلك الروح العرفانية والمعنوية تجدها في شهادة أخرى نابعة من روح الإيمان؛ ومنبثقة من قلب يتحرق شوقاً؛ وصادرة عن روح متلهفة للقاء اللَّه، ومستغرقة في ذات اللَّه. هذا اللون الاخر من المجاهدة له طعم ونكهة أخرى، ويضفي أثراً اخر على التكوين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى