اراء

هل تكون معركة “رفح” نقطة فاصلة في الحرب على غزة ؟

بقلم: شارل أبي نادر..

تتزاحم الخيارات حول مصير المعركة في رفح، تبعًا لمرحلة واسعة من المعطيات والمؤثرات التي تحيط بهذه العملية المرتقبة تحديدًا، أو بالمعطيات الأخرى المحيطة بكامل مسار المواجهة في غزّة، والمرتبطة عضويًا بالمواجهات الأخرى في لبنان والعراق واليمن، والتي تشكّل جبهات المساندة الأساسية للمقاومة في غزّة.

من هنا، تتزاحم أيضًا الاعتبارات المتعلّقة بالأسباب الفعلية لهذه العملية الإسرائيلية المرتقبة في رفح. ففي حين يراها بعضهم مناورة ضغط على المقاومة الفلسطينية ليس أكثر، وهدفها دفعهم للتنازل بموضوع صفقة تبادل الأسرى، يراها آخرون مناورةً مركبة، تجمع بين عملية عسكرية ضدّ قادة وكوادر ومقاتلي فصائل المقاومة الفلسطينية في تلك المنطقة الحدودية مع مصر، وبين عملية بحث وتفتيش عن الأسرى الصهاينة الموجودين عند المقاومة الفلسطينية ومحاولة تحريريهم، وبين عملية تقنين ودفع العدد الأكبر من النازحين الفلسطينيين -الذين نزحوا إلى رفح أو من أبنائها الأساسيين- نحو سيناء هربًا من القتل والتدمير والمجازر، والتي ستحصل حتمًا بهدف فرض وتحقيق هذا اللجوء نحو مصر.

عمليًا، يبدو أن القرار الإسرائيلي السياسي والعسكري لشن عدوان واسع على محافظة رفح قد اكتمل فعليًا، وفي الوقت الذي كان فيه بداية الأمريكيون يظهرون عدم موافقتهم على العملية، بحجة خطورتها على المدنيين المتجمعين في رفح بأعداد خيالية، بدأت تظهر اليوم بعض الإيحاءات عن تغيير موقفهم العلني باتّجاه الموافقة، مع شرط وضع خطة واضحة، يحصلون على تفاصيلها مسبقًا وتأخذ بالحسبان سلامة المدنيين بحسب زعمهم.

في مطلق الأحوال، لم يكن أبدًا الموقف الأمريكي ذا تأثير فعلي في هذا المجال، حيث لم تتأثر النتيجة الكارثية في شمال القطاع ووسطه وفي خان يونس لاحقًا، بهذا التحفظ الأمريكي المخادع على استهداف المدنيين، الأمر الذي لم يمنع “إسرائيل” بتاتًا من ارتكاب عدد كبير من المجازر المروعة بحق هؤلاء، ومن العمل بشكل يتجاوز كليًا القوانين والقيود الدولية والإنسانية كلها.

من جهة أخرى، وفي متابعة للموقف المصري بصفته معارضًا إقليميًا للعملية وهو معني أساسي بجغرافيتها، فهو رافض لها فقط من باب ألا تكون إحدى نتائجها تهجير القسم الأكبر من فلسطينيي غزّة إلى سيناء، وطبعًا هو غير رافض من باب حرصه على أرواح ودماء الفلسطينيين، وأساسًا، دائمًا كان معيار أي موقف مصري متعلّقاً بأي موضوع فلسطيني مرتبطًا ومرتهنًا بالكامل بالموقف الأمريكي، ولا يمكن أن يعاكسه.

فما هي المعطيات التي يمكن أن تحدد إطلاق العملية الإسرائيلية على رفح؟ وكيف يمكن أن تنفذ عمليًّا مناورة هذه المعركة؟ وما تأثيراتها الفعلية على معركة العدوّ الكبرى على غزّة؟.

بداية، وبمعزل عن رأيه الفعلي حول تقدير نسبة نجاح أو فشل هكذا عملية، لناحية الخطورة والدقة والصعوبة، لا يمكن للجانب العسكري الإسرائيلي، إلا أن يجري مقارنة بينها وبين العمليات التي نفذها في مناطق القطاع الأخرى، شمالًا ووسطا وجنوبًا (في خان يونس تحديدًا)، ومن الطبيعي والمنطقي أن يأخذ بالحسبان فشله في تلك العمليات، حيث الدليل الواضح حول ذلك، خسائره الضخمة أولًا، وثانيًا، عدم تحقيقه أيًا من الأهداف التي وضعها لعمليته، لناحية إنهاء بنية حماس العسكرية أو لناحية تحرير أسراه بالقوّة، وفي الوقت الذي لا يمكن له أن يصرّح بذلك علنًا، فهو مجبر، وبهدف حماية جنوده وضباطه الذين خسر ويخسر الكثير منهم، أن يقدّر الوضع والموقف العسكري جيّدًا قبل إطلاقه صفارة هذه العملية، لأن الدخول في مستنقع آخر في رفح، يُضاف إلى مستنقع خان يونس حيث خسائره في عديد ضباطه وجنوده تتضاعف، والى مستنقع شمال القطاع أيضًا، والذي لم يحقق فيه أي إنجاز عسكري يعتدّ به، سيكون ضربة قاتلة لكل حربه المجنونة التي شنها على غزّة.

انطلاقًا من كلّ ذلك، ومع تزايد فرص واحتمالات إطلاق العدوّ لعمليته على رفح، ومع غياب أي تأثير فعلي للموقفين الأمريكي والمصري لمنع هذه العملية، يبقى المعيار الفعلي والجدي لعزوف العدوّ عن هذه العملية أو للسير بها، هو خوفه من خطورة الاشتباك مع المقاومة، في منطقة حيوية واستراتيجية، تعدّها هذه المقاومة فرصتها الوحيدة التي لا يمكن خسارتها، لتثبيت وجودها وحيثيتها وموقعها، وليبقى المعيار أيضًا لقرار العدوّ في تنفيذ عمليته على رفح هو: استعداده أو عدم استعداده، أولًا للمقامرة بآخر فرصة جدية للخروج من هذه الورطة بأقل خسائر ممكنة، وثانيًا للمخاطرة بآخر فرصة لبقاء العدد الأكبر من أسراه أحياء، وتحريرهم قبل أن يُقتلوا تباعًا بنيرانه العمياء وبصواريخه المدمرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى