وصفة أمريكية جديدة للسلام.. “النزاع” فلسطيني إسرائيلي وكفى

بقلم: زياد غصن..
في مقاربتها السياسية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، تحرص الإدارة الأمريكية على اختزال الصراع “العربي-الإسرائيلي” بـ”نزاع” فلسطيني إسرائيلي، يمكن أن ينتهي بـ”حل الدولتين”، لذلك، فهي لا ترى ارتباطاً عميقاً بين عملية التطبيع الجارية بين بعض الدول العربية و”إسرائيل” وما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية، برغم هول المجازر والجرائم الإسرائيلية المرتكبة.
ومع أن تصريحات بعض الدول العربية ربطت مصير التطبيع مع “إسرائيل” بوقف إطلاق النار في قطاع غزة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، إلا أنَّ تلك الدول أخذت تتبنى تدريجياً السردية الأمريكية حيال السلام مع الكيان الصهيوني، فلم تعد القرارات الشهيرة الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، وأشهرها 242 و338، ولا الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود الرابع من حزيران لعام 1967، أساساً للسلام العادل والشامل.
تحييد مقصود
بالعودة إلى معظم التصريحات الصحافية للمسؤولين الأمريكيين ونظرائهم العرب خلال الأشهر الثلاثة الماضية، فإن حل الصراع العربي-الإسرائيلي وإقامة سلام عادل وشامل لم يعد رهناً بانسحاب “إسرائيل” من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، ولا بحصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة كاملة، بما فيها حق العودة، كما تمسَّك العرب بذلك منذ ما بعد حرب أكتوبر عام 1973.
وحتى الحديث الغربي اليوم عن إقامة دولة فلسطينية لا يزال مبهماً وغامضاً، فهل هذه الدولة ستكون وفقاً لقرارات الشرعية الدولية؟ وهل تكون القدس الشرقية عاصمتها الوحيدة؟ وهل تقوم “تل أبيب” بتفكيك مستوطناتها العنصرية من داخل الضفة الغربية؟ وما علاقة صفقة القرن الشهيرة بالدولة الفلسطينية المروج لها غربياً؟ وغير ذلك من الأسئلة المتعلقة ببنية تلك الدولة وشكلها. غالباً، هناك تفسير واحد من اثنين لهذا التجاهل العربي:
التفسير الأول: يتمثل في أن جل اهتمام الدول العربية ينصب على وقف العدوان الإسرائيلي على غزة. وعلى ذلك، فإن تشديدها على حتمية خيار إقامة الدولة الفلسطينية ينطلق من كونه محاولة لتحميل “إسرائيل” مسؤولية عدم استقرار الأوضاع في المنطقة بفعل رفضها للسلام وتنفيذ القرارات الدولية، فلو قبلت إقامة دولة فلسطينية في السنوات السابقة، لما وصلت الأمور إلى هذه المرحلة الخطرة والمهددة للأمن الإقليمي والدولي.
التفسير الثاني: يبدو أنه الأقرب إلى التحقق في موقف بعض الدول العربية، فهو يتعلق بالانسياق العربي خلف السردية الأمريكية الخاصة باختزال 7 عقود ونصف عقد من الصراع العربي الإسرائيلي بحل الدولتين، وإبعاد ما تبقى من ملفات أخرى ليكون مصيرها النسيان بفعل الأمر الواقع، وهذا تماماً ما سعت إليه إدارة ترامب التي اعترفت بضم الجولان السوري المحتل إلى الكيان الصهيوني، ونقلت سفارة بلادها إلى القدس المحتلة، ومن ثم عملت على إطلاق مشروع يتجاهل الحقوق العربية، ويطمس حقائق التاريخ والجغرافيا تحت مسمّى “صفقة القرن”، والمؤيد للأسف من بعض الدول العربية.
الحق لا يموت
ليست هذه هي المرة الأولى التي يحاول فيها الغرب تحييد سوريا ولبنان، وحتى جزء كبير من الشعب الفلسطيني، عن ملف الصراع العربي-الإسرائيلي، والمثال الأوضح على ذلك يتمثل في التوقيع المنفرد لدول عربية على اتفاقيات سلام وتطبيع مع الكيان الصهيوني، لكن دوماً كانت الأوضاع في المنطقة تزداد سوءاً، ليس نتيجة تجاهل محورية الدول والفصائل المستبعدة في جهود بناء السلام فحسب، إنما لأن “إسرائيل” حافظت أيضاً على سياسات عدائية حتى مع الدول التي أبرمت معها اتفاقيات سلام أو أقامت معها علاقات تطبيع مباشرة أو غير مباشرة، فضلاً عن استمرار رفضها الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني وتنفيذ القرارات الدولية الخاصة بالصراع العربي الإسرائيلي، متكئة في ذلك على الدعم الأمريكي المطلق، وعلى نجاحها خلال السنوات السابقة في فتح مسارات بديلة للتطبيع مع دول عربية وانهيار جدار المقاطعة العربية والإسلامية والعالمية، لكن أياً كانت المواقف الإقليمية والعالمية في هذا الملف، فإنَّ هناك جملة حقائق لا يمكن تجاهلها في أي جهود دولية لبناء سلام عادل ومستقر في المنطقة.
ومن هذه الحقائق نذكر ما يلي:
– وجود أراضٍ عربية محتلة من قبل “إسرائيل”، وتالياً، لا يمكن لأية حكومة أو فصيل أو منظمة أن يتخلى عنها أو يساوم عليها. وما لم ينسحب منها الكيان الصهيوني، فإن جميع أشكال المقاومة ستبقى مشروعة حتى استعادتها على وفق ما تقره الشرائع والقوانين الدولية. والمثال الأبرز ما تبع اتفاقية أوسلو من تجدد للانتفاضة الفلسطينية والكفاح المسلح في الأراضي المحتلة.
– بحسب بيانات وكالة “الأونروا”، فقد بلغت نسبة اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى الوكالة في الأردن نحو 39% من إجمالي عدد اللاجئين الفلسطينيين، في حين بلغت هذه النسبة في لبنان وسوريا نحو 9% و11% على التوالي. لذلك، إن أي اتفاق للسلام لا يأخذ بعين الاعتبار حق العودة لهؤلاء يبقى اتفاقاً هشاً وغير مستدام.
– تجذر ثقافة المقاومة ورفض التطبيع شعبياً في جميع الدول العربية. وإذا كانت بعض الدول العربية المطبعة لم تتبلور فيها سابقاً علانية ملامح هذا الرفض الشعبي لأسباب معروفة، فإن التجربة المصرية والأردنية وما أعقب العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة من ردود فعل شعبية عبرت عن نفسها بأشكال متعددة خير شاهد على الرفض الشعبي للتطبيع، فكيف الحال مع مواطني دول لا تزال أراضيها محتلة من الكيان الصهيوني، ولا تزال تتعرّض لاعتداءات مستمرة من قبله؟.



