صرخةُ حقّ بصوتٍ متهدج

بقلم: د. حسن أحمد حسن..
قرار محكمة العدل الدولية الصادر في 26/1/2024م أبعدُ مما يوحي به منطوق كلماته وفقراته، وأعمقُ مما قد يخطر على الذهن للوهلة الأولى، وهو بجوهره ودلالاته يشكل انعطافة نوعية جادة وجديدة في تأريخ القانون الدُّوَليّ المصادر والمرتهن لمشيئة أنصار القوة وحملة ثقافة الغاب المتوحش والقتل المتعمد أمام بصر الكون وسمعه، وهذا لا يعني أن ما صدر يرقى إلى مستوى الآمال المشروعة، بل لعله اكتفى آنياً بالتجوال أمام بوابة حديقة تحصين الحق المطلوب… نعم هو خطوة متقدمة وجريئة وصادمة للمجرمين القتلة وداعميهم، لكنها دون تمكين صاحب الحق من الشعور بتبلور حقه الذي لا يقبل المسخ ولا الانتقاص.. هو تحرير لإرادة العدالة الدولية قبل أن يكون إنصافاً للحق الفلسطيني، وقبل أن يكون تجريماً للكيان الصهيوني، وبعبارة أخرى هو لم ينصف المظلوم المعتدى عليه تماماً، ولم يدخل المجرم قفص الاتهام ويقفل عليه كما يجب، بل اكتفى بالإقرار بحدوث الجريمة، وطالب على استحياء من دون أن يسمي ضمان عدم استمرار الإجرام المتزايد والمتعاظم بوتائر يندى له جبين الإنسانية، وقد يكون هذا المستوى الذي ظهر للعلن أقصى ما تستطيعه محكمة العدل الدولية في الظرف الراهن، وهو يفتح الباب واسعاً على خطوات وخطوات ممكنة وقادمة ويجب العمل على بلورتها وتحقيقها، ويمكن باختصار شديد الإشارة هنا إلى عدد من العناوين والأفكار المساعدة على توضيح الصورة، ومنها:
قرار المحكمة صرخة حق بصوت مبحوح ومتهدج، ويكفيها أنه صرخة حق في وادٍ لطالما انتشرت في تشعباته وعلى جنبات ممراته الموحشة رؤوس الأبرياء وجثث القضايا المحقة التي وُئِدت دون أن يسمح لصوت الحق أن ينبس ببنت شفة على امتداد عقود.
القرار أعلى سقفاً مما توقعه القاتل، وأقل مما تمناه أصحاب الحق المنحور ببلطجة تلمودية محمية بثقافة الكاوبوي المعشعشة في زوايا البيت الأبيض، وجميع مفاصل صنع القرار في إدارة بايدن وهي تتلقى الصفعات المؤلمة بالتالي، ومن دون فاصل زمني يسمح لها باستعادة بعض التوازن المضطرب والمرتج بقوة توحي بتداعيات كارثية على من جلبوا الويلات والكوارث للعالم أجمع، وها هم يسمعون ما لا يرضيهم، ويشاهدون بأم العين ما يزيد قلقهم واضطرابهم المفتوح على مروحة واسعة من الاحتمالات المفتوحة بدورها على المجهول.
من غير المستبعد أن تستمر حكومة نتنياهو العنصرية بارتكاب المزيد من الجرائم بحق الشعب الفلسطيني الذي لا خيار أمامه إلا مواجهة الموت ومقاومة القاتل، وتضمين القرار مدة شهر لتقديم تل أبيب جوابا يوضح الإجراءات والتدابير التي تم اعتمادها لتنفيذ ما نص عليه القرار، يعني بشكل أو بآخر منح من يسفك الدماء ويقتل ويدمر ويهلك النسل والحرث مهلة إضافية لمزيد من الجرائم، ولن يعدم الوسيلة في اليوم الأخير من الشهر الممنوح أن يعلن إجراءات شكلية يدعي من خلالها أنه حرص على تنفيذ المطلوب، وهذا أقصى ما استطاع فعله من إجراءات ممكنة، مع احتفاظه بما يسميه “حق الدفاع عن النفس” كما يدعي نتنياهو وأعضاء حكومته المتطرفون الذين تطاولوا بصفاقة وعنجهية على المحكمة الدولية وقرارها، وأكدوا استمرار مسلسل الإجرام وسفك الدماء.
على الرغم من الكثير مما قيل بخصوص خلو مضمون القرار من التعبير الصريح عن تجريم الكيان الصهيوني، ومطالبته بالوقف الفوري لآلة القتل والإجرام، فإنه خلق صدمة قد تتالى تداعياتها وتصل إلى أبعد مما يتوهم المجرمون القتلة الذين حاولوا بكل ما يستطيعون أن يبقوا اللجام محكماً على إرادة المجتمع الدولي الذي قال كلمته عبر محكمة العدل وأشار بالبنان إلى الجريمة والمجرم، وإن لم يدخله قفص الاتهام، بل ترك باب القفص مفتوحاً مع اكتمال أركان الجريمة الموصوفة، أي أن القرار لم ينصف المظلوم والمعتدى عليه كما يجب، ولم يمهر بخاتمه جبين المجرم القاتل تمهيداً لعزله، وتمكين العدالة الدولية من محاسبة المجرمين الذين اعتادوا البقاء بمنأى عن أية مساءلة قانونية أو أخلاقية دولية.
من حق جنوب أفريقيا أن ترفع لها القبعة من قبل جميع أنصار الحق والعدالة وإنسانية الإنسان، فالخطوة الشجاعة التي أقدمت عليها جنوب أفريقيا وإصرارها على جر كيان الاحتلال من أذنيه إلى محكمة العدل الدُّوَليّ فتح جديد ستنعكس آثاره الإيجابية على البشرية جمعاء، ومن المسلم به أن الفضل الأول في هذا كله يعود لصمود الشعب الفلسطيني وإرادته الفولاذية المستندة إلى إيمان مطلق بالحق والقدرة على استعادة ما استلب منه، واستعداد تام للتضحية في سبيله، واطمئنان موضوعي إلى أن بقية جبهات المساندة لن تتردد، ولن تتقاعس عن أداء الواجب المقدس على الوجه الأكمل مهما بلغت التضحيات.
استحضار البوارج والأساطيل وحاملات الطائرات الأمريكية والأطلسية، وسياسة كم الأفواه لم تفلح في إنقاذ الكيان المؤقت من الغرق أكثر في أوحال الإجرام والعجز عن تحقيق الأهداف، وهذا العجز انتقل من تل أبيب إلى واشنطن ولندن وهما تقفان مشدوهتين أمام قدرة اليمنيين الميامين على اتخاذ القرار بفرض الحصار على من يفرض الحصار، ولعل بركة الدماء البريئة التي سفكت ظلماً وعدواناً حملت معها إلى السماء ما أعاد كيد المعتدين إلى نحورهم، وقد يكون ما تشهده ولاية تكساس من رفض الإذعان لإرادة إدارة بايدن، ودعم التمرد التكساسي من بقية الولايات الجمهورية بداية ذوبان قمة جبل الجليد في عالم ضاق ذرعاً بالجبروت الأمريكي المنفلت من كل عقال، والقائم على الشر والقتل ومصادرة إرادة الجميع بما في ذلك إرادة الأمريكيين أنفسهم عندما يشقون عصا الطاعة المتهرِّئة، وهي تهتز بيد عجوز خرف وإدارة متوحشة ستبتلع نفسها إذا استمرت بوحشيتها القائمة على ابتلاع الجميع.



