علي الهادي “عليه السلام” في ذمة الخلود

تمرُّ علينا ذكرى استشهاد الإمام علي الهادي “سلام الله عليه”، الذي دُسّ له السم، وهو في الاربعين من عمره الشريف، وفقا لما تقوله الروايات، وهو الذي عاصر عدداً من ملوك بني العباس، والذي تصدّى لهم من خلال رسالته النقية، ونشر تعاليم الدين الإسلامي، وتشكيل حائط صد أمام محاولات هؤلاء الملوك في طمس الهوية الاسلامية.
ويمكن تقسيم حياة الإمام الهادي (عليه السلام) التي ناهزت الأربعين سنة إلى مراحل متعدّدة بلحاظ طبيعة مواقفه وطبيعة الظروف التي كانت تحيط به، والمرحلة الأولى من حياة الإمام الهادي (عليه السلام) تتمثّل في الحقبة الزمنية التي عاشها في ظلال إمامة أبيه الجواد (عليه السلام) وهي بين (٢١٢ هـ) إلى (٢٢٠ هـ) ويبلغ أقصاها ثماني سنوات تقريباً .
والمرحلة الثانية، تتمثّل في الفترة الزمنية بين تولّيه (عليه السلام) لمنصب الإمامة في نهاية سنة (٢٢٠ هـ) والى حين استشهاده (عليه السلام) في سنة (٢٥٤ هـ) وهي أربع وثلاثون سنة تقريباً .
وقد مارس (عليه السلام) نشاطاً مكثّفاً لإعداد الجماعة الصالحة، وتحصين هذا الخط ضد التحدّيات التي كانت توجّه إليه باستمرار، وعمد على تكثيف نشاطه من محورين اساسيين:
الأوّل منهما، يرتبط بالخلافة المزيّفة، فقد تصدّى لتعريتها عن التحصينات التي بدأ الخلفاء يحصّنون بها أنفسهم من خلال دعم وتأييد طبقة من المحدّثين والعلماء (وهم وعّاظ السلاطين) لهؤلاء الخلفاء وتقديم صنوف التأييد والولاء لهم من أجل إسباغ الصبغة الشرعية على زعامتهم، بعد أن استطاع الأئمّة في المرحلة الأولى، أن يكشفوا زيف خط الخلافة، ويشعروا الأمة بمضاعفات الانحراف الذي حصل في مركز القيادة بعد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) .
والثاني منهما، يرتبط ببناء الجماعة الصالحة والذي أُرسيت دعائمه في المرحلة الأولى، فقد (عليه السلام) في هذه المرحلة إلى تحديد الإطار التفصيلي وإيضاح معالم الخط الرسالي الذي اؤتمن الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) عليه، والذي تمثّل في تبيين ونشر معالم النظرية الإسلامية وتربية عدّة أجيال من العلماء على أساس الثقافة الإسلامية التي استوعبها الأئمة الأطهار في قِبال الخط الثقافي الذي استحدثه وعّاظ السلاطين .
هذا فضلاً عن تصدّيه (عليه السلام) لدفع الشبهات وكشف زيف الفرق التي استحدثت من قِبل خط الخلافة أو غيره، وكانت من أبرز الشبهات، ان ذاك شبهة خلق القرآن الكريم فلقد عمّت الأمة فتنة كبرى في زمن المأمون والمعتصم والواثق بامتحان الناس بخلق القرآن، وكانت هذه المسألة، مسألة يتوقّف عليها مصير الأمة الإسلامية، وقد بيّن الإمام الهادي (عليه السلام) الرأي السديد في هذه المناورة السياسية التي ابتدعتها السلطة.
استشهاد الإمام الهادي (عليه السلام)
ظلّ الإمام الهادي (عليه السلام) يعاني من ظلم الحكّام وجورهم حتّى دُسّ إليه السمّ، كما حدث لآبائه الطّاهرين، وقد قال الإمام الحسن (عليه السلام): ما منّا إلاّ مقتول أو مسموم .
وقال الطبرسي وابن الصباغ المالكي: في آخر ملكه (أي المعتز)، استشهد وليّ الله علي بن محمد (عليهما السلام) .وقال ابن بابويه: وسمّه المعتمد، وقال المسعودي: وقيل إنّه مات مسموماً، ويؤيد ذلك ما جاء في الدّعاء الوارد في شهر رمضان: وضاعف العذاب على مَن شرك في دمه .



