هل يكون غانتس سبباً لتفكك حكومة الحرب الإسرائيلية؟

بقلم/ محمد هلسة..
تناولت مجموعة من وسائل الإعلام الإسرائيلية خلال الأيام الماضية خبراً مُفاده أن رئيس حزب “المعسكر الوطني” وعضو المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية (“الكابينت”)، يستعد لمغادرة “كابينت” الحرب، على خلفية الخلافات المتصاعدة مع نتنياهو ووزراء ائتلافه اليميني بسبب انتقادات هؤلاء لرموز المؤسسة العسكرية، وعلى رأسهم رئيس هيأة الأركان هرتسي هليفي، وهو ما قوبل برد مدافع وحازم من جانب غانتس، وكذلك على خلفية تهرب نتنياهو من نقاش مرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة.
نُدرك جميعاً أن نتنياهو ارتأى تشكيل حكومة طوارئ قومية لتأطير صورة “وحدة وطنية”، في ظل اتهامه بالفشل في منع أحداث 7 أكتوبر، ورغبته في حشد التأييد الداخلي لحربه الوحشية على قطاع غزة، ونفهم كذلك أن غانتس دخل وحزبه “المعسكر الوطني” حكومة الطوارئ هذه، لفترة محدودة، وفق ما أعلنه منذ البداية.
وما دامت الحرب قائمة، فالظن أن غانتس لن يستعجل الانسحاب من مجلس الحرب والحكومة، لأن دخوله لهما كان على خلفية العدوان والحرب، فهناك إجماع صهيوني على الحرب. لذلك، لن ينسحب غانتس حالياً، فما الذي يجنيه من بقائه؟ ومتى تحين لحظة خروجه؟
ما زال من المبكّر الحديث عن انسحاب غانتس من حكومة الطوارئ، نتيجة اعتبارات أهمها أنه ما زال يتصدر استطلاعات الرأي منذ فترة، بحيث أظهر استطلاع رأي، أجرته صحيفة “معاريف” الإسرائيلية مؤخراً، أن 51% من المستطلعة آراؤهم من الإسرائيليين يرون أن بيني غانتس هو الأفضل لرئاسة الوزراء، بينما يقول 31% إن بنيامين نتنياهو هو الأفضل.
وبيّن الاستطلاع أن حزب “المعسكر الوطني”، بقيادة غانتس، سيعزز قوته الانتخابية من 12 مقعداً إلى 38، بيمنا سيفقد حزب الليكود من شعبيته الانتخابية، ليتراجع من 32 مقعداً إلى 20، لو جرت الانتخابات اليوم.
وفي حين يواجه نتنياهو موجة انتقادات حادة، بحيث يحمّله كثير من الإسرائيليين المسؤولية عن الإخفاق، عسكرياً وأمنياً، في التعاطي مع عملية طوفان الأقصى، وعن الإخفاقات المتتالية في الحرب، يعزّز غانتس صورته كشخصية تحظى بثقة الجمهور بسبب إيثاره الدخول في الحكومة لمصلحة “إسرائيل”، في ظل الظروف الصعبة التي تمر فيها، على رغم خصومته الشديدة مع نتنياهو.
ويبدو أن ارتفاع رصيد غانتس السياسي وشعبيته الكبيرة مردّهما أنه رئيس سابق لهيأة الأركان، ووزيرٌ للأمن، في كيان يؤدي فيه “الجيش” دوراً مركزياً، وتحظى فيه الشخصيات العسكرية المتقاعدة بالاحترام، وتصل إلى مناصب عامة رفيعة، كما حدث مع كل من إسحاق رابين وإيهود باراك وآرييل شارون، الذين تولى كل منهم في مرحلة ما رئاسة الوزراء.
ويبدو أن غانتس يقرأ الخريطة السياسية والمشهد السياسي، ويرى أن هذه الفرصة مؤاتية للاستمرار في مجلس الحرب ما دام يسجل نقاطاً على حساب نتنياهو والليكود. فحكومة اليمين، برئاسة نتنياهو، وفق أغلبية الشعب الإسرائيلي، فاقدة للشرعية، وبالذات في حالة الطوارئ والحرب، وهي فاشلة وعاجزة عن القيام بمهمّاتها.
ثمة أمر آخر علينا أن نأخذه في الاعتبار، في قراءة موقف غانتس بشأن مجلس الحرب. فطبيعة الرجل، أي غانتس، وعلاقته السابقة بنتنياهو، تؤديان دوراً مهماً في قرار بقائه.
وكلنا يذكر كيف تلاعب نتنياهو به بعد أن وقّع معه في نيسان 2020 اتفاقاً لتشكيل “حكومة ائتلاف وطني”، أنهى عبره عاماً من الجمود السياسي، ووضع حداً لأسوأ أزمة سياسية مرت فيها “إسرائيل” بعد ثلاث عمليات انتخاب برلمانية.
ونص الاتفاق على أن نتنياهو وغانتس سيتناوبان، على مدى 3 أعوام، على منصب رئيس الوزراء، على أن يشغل نتنياهو المنصب أولاً، وعلى أن يتولى غانتس منصب “رئيس الوزراء البديل” وحقيبة وزارة الأمن. وعلى رغم تعهّده عدمَ المشاركة في حكومةٍ مع رئيس وزراء تلاحقُه تهم جنائية، فإن غانتس أحدث مفاجأة في اتفاقه المذكور مع نتنياهو، المتّهَم بقضايا فساد، متراجعاً عما قطعه على نفسه، بذريعة “المسؤولية تجاه الدولة في ظل أزمة كورونا“.
يأتي هذا الموقف وسط تباين وجهات النظر بين أعضاء “كابينت” الحرب بشأن ترتيب أولويات الحرب والثمن الذي قد تكون “إسرائيل” مستعدة لدفعه مقابل التوصل إلى صفقة تبادل أسرى مع المقاومة، في ظل الحديث عن استئناف جهود الوساطتين القطرية والمصرية. ويبدو أن غانتس يعيد ترتيب الأولويات بشأن أهداف الحرب على غزة، تمهيداً لتقبل صفقة ما تلوح في الأفق، بعد أن باتت تُطرَح في “إسرائيل” ضرورة الإفراج عن هؤلاء “حتى لو بثمن وقف الحرب“.
وليس من المتوقع أن يغامر غانتس بترك مجلس الحرب بعد هذا الترتيب للأولويات، ووضع ملف الأسرى قضية مركزية في رأس أجندة الحرب، وخصوصاً مع استنفاد الحرب أهدافها وعدم مقدرة الحكومة على تحقيق إنجازات تُذكَر بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر من عمر الحرب. فهل يستعجل غانتس ترك الحكومة، ويترك “جني الثمار السياسية”، وخصوصاً في ملف الأسرى، لنتنياهو ولليمين المتطرف!



