المحطات الجهادية للسيدة زينب عليها السلام

ورثت السيدة زينب سلام الله عليها الشجاعة من أبيها أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام، وكانت واقعة الطف خير دليل على ذلك، حيث جسدت السيدة زينب احدى الصور الاليمة التي واجهت ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بعد الغدر والخيانة التي لحقت بهم من بني امية.
وكانت حياة السيدة زينب عليها السلام، جُلُّها فجائع أهل البيت عليهم السّلام، وأحداث الإسلام المريرة، حيث شهدت حالة الانكفاء والانقلاب على وصايا رسول الله صلّى الله عليه وآله، وعاشت محنة وفاة جدها النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم.
ثمّ كان ما كان، من شهادة أمّها الصدّيقة الزهراء سلام الله عليها، ودفع أبيها الوصيّ عن مقامه الإلهيّ في قيادة المسلمين حتّى أصبح جليس داره، فإذا دُعي للخلافة الظاهرة قامت في وجهه الفتن، فاضطُرّ إلى دفعها في: الجمل وصفّين والنَّهروان، وما هدأ مناوئوه حتّى غَدروا به في بيت الله، عند محراب السجود لله جلّ وعلا.
وبعد شهادة أبيها أمير المؤمنين عليه السّلام، وما كان أشدَّها وأفجعَها عليها! ـ قامت فتن معاوية الذي فضح نفسه بعد عقد الصلح، فعاشت العقيلة زينب عليها السّلام تلك الأحداث العصيبة حتّى كانت المصيبة بشهادة أخيها السِّبط المجتبى أبي محمّد الحسن سلام الله عليه، وما هي إلاّ سنوات وهي ترافق أخاها الإمام الحسين عليه السّلام في ظروفه الصعبة حتّى تسنّم يزيد زمام الحكم، فرأى سيّد شباب الجنّة أن يواجه الظلم والانحراف؛ حفاظاً على قيم الإسلام ومبادئه من أن تُشوّه ثمّ تُمحى.
وكانت الرحلة القدسيّة إلى كربلاء الطفّ، لتقف زينب الكبرى عليها السّلام على المشاهد الرهيبة، فكان منها القلب الصبور، واللسان الشكور، رغم تعاظم المصائب والكروب عليها، وتزاحم النوائب أمام عينيها، فتجرّعت غُصَصَ الآلام والمآسي، وتحمّلت الرزايا العجيبة وهي تنظر إلى أشلاء الضحايا المقدسة مجزرين على صعيد كربلاء، وترى مصارع إخوتها وأبنائها وبني عمومتها، وذويها، وأصحاب أهل بيتها.
ثمّ كان ما كان، من السَّبي والأسر، والسفر المرير في حالٍ من الإعياء والجوع وشماتة الأعداء ومواجهة قتلة أهلها هذا وزينب العقيلة بنت أمير المؤمنين عليه السّلام، تلك العارفة العالمة غير المعلَّمة، والفهِمة غير المفهَّمة تعيش المحن التي هجمت على الرسالة وعلى آل الرسول، وتشاهد كيف يكون غصب الحقوق الإلهيّة ثمّ هتك الحُرم القدسيّة، فيُقتل أولياء الله الأعاظم، ويسعى المتسلّطون على رقاب المسلمين فساداً وعبثاً وظلماً وتحريفاً لمبادئ الدين الحنيف.
وهذه المرارات كلّ واحدة منها كفيلة بأن تقضي على المرء لولا صبرها الذي أعجب ملائكة السماء، ولولا أن قدّر الله تعالى أن تعيش أخطر الوقائع في حياة الرسالة وأهل بيت الرسول صلّى الله عليه وآله، وتقف إلى جنب أخيها سيّد الشهداء أبي عبدالله الحسين صلوات الله عليه، فهي الأليق بعد المعصوم أن تواصل نهضته الشريفة، وأن تنقل تلك الواقعة الرهيبة إلى امتداد التاريخ وانبثاق الأجيال.
إنّ زينب عليها السلام لم تنجح فقط بالقيادة في المحنة، ولكنّها شكّلت النموذج للنجاح بالقيادة في المحن حيث استطاعت بعد شهادة الإمام الحسين عليه السلام وابتداءً من هجوم الجيش على الخيام، أن تدير الموقف فحفظت الأطفال والنساء والإمام السجّاد، وكذلك حفظت سلالة الإمامة في قصر ابن زياد بما أثار تعجّبه حينما ألقت نفسها عليه فادية له بنفسه، وكذلك في مواجهة طاغية الزمان في قصره، وفي هذا الموقف نقول: إنّ القائد الفذّ هو الذي يستطيع أن ينقل الأزمة التي يريد عدوّه إيقاعه فيها إلى ديار العدوّ وإلى معسكر العدوّ وإلى نفس العدوّ.
فقد ألقت السيدة زينب عليها السلام خطبتها في مجلس الطاغية فهزّت أركانه وزلزلت بنيانه ونكّدت عليه فرحته بما اعتبره نصراً وإنجازاً، وملأت مجلسه وحاضريه الرعب في قلوبهم، وغلب عليهم التوتّر والخوف وقد قالت الدكتورة بنت الشاطئ فيها: أفسدت زينب أخت الحسين على ابن زياد وبني أميّة لذّة النّصر وسكبت قطرات من السمّ الزعاف في كؤوس الكافرين، ويصحّ القول إنّ زينب عليها السلام قد أعلنت نتيجة المواجهة عندما قالت ليزيد لعنه الله: “فكد كيدك، واسع سعيك وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا”،فالبيت الهاشميّ ونبوّته والإمامة باقية والإسلام المرموز إليه بالوحي باقٍ، وأمّا الباغي فله عكس ما أمل: “ولا يرحض عنك عارها”.
نعم لقد تحمّلت زينب عليها السلام المسؤوليّة ونجحت فكانت عند حسن ظنّ ربّها عندما قبلت أن تعاني في طريق الحقّ وفي سبيل الله، قابلة وراضية بالمشيئة الإلهيّة.



