اخر الأخباراوراق المراقب

نساء خالدات.. “خولة الحنفية” وقصتها مع موكب الإباء

أجمعت المصادر التاريخية كلها، على أن السيدة خولة، زوجة أمير المؤمنين وأم محمد بن الحنفية ــ هي من السبايا، ولكن المؤرخين اختلفوا في مصدر السبي، حتى شطّ بعضهم كثيراً عن الواقع التاريخي.

ومن هذه الأقوال في ذلك هو إن رسول الله بعث علياً إلى اليمن، فأصاب خولة في بني زبيد، وقد ارتدّوا مع عمرو بن معدي كرب، وصارت في سهمه وذلك في عهد رسول الله، فقال له رسول الله: “إن ولدت منك غلاماً فسمّه باسمي وكنّه كنيتي، فولدت له غلاماً فسمّاه محمّداً، وكنّاه بأبي القاسم، وهذا هو الراجح والذي أثبت أن خولة سُبيت على عهد رسول الله”.

ومما يؤكد ذلك ما رواه ابن حجر في الإصابة وغيره من أن خولة بنت إياس بن جعفر الحنفية، والدة محمد بن علي بن أبي طالب، رآها النبي (ص) في منزله فابتسم، ثمّ قال: “يا علي أما إنك تتزوجها من بعدي، وستلد لك غلاماً فسمِّه باسمي، وكنِّه كنيتي وأنحله”.

قصة السبي

ملخص قصة سبيها كما ورد في المصادر المعتبرة ومنها البحار للمجلسي، والإرشاد للمفيد، وغيرهما من المصادر، إن رسول الله لما عاد من تبوك إلى المدينة وفد عليه عمرو بن معدي كرب الزبيدي من اليمن، فعرض عليه النبي الإسلام، فأسلم وأسلم معه من قومه ناس ورجعوا إلى قومهم.

بعد فترة جاء عمرو إلى المدينة، فوجد رجلاً يدعى أبيّ بن عثعث الخثعمي وهذا الرجل قتل والد عمرو في الجاهلية، فأمسك عمرو برقبته وجاء به إلى النبي، ليقتص منه فأجابه النبي: بأن الإسلام قد أهدر ما كان في الجاهلية والخثعمي الآن هو رجل مسلم غضب عمرو وارتد عن الإسلام ورجع إلى قومه وقام يحرض على رسول الله وأغار على قوم من بني الحارث بن كعب وهم مسلمون ومضى إلى قومه.

لقد أسلم عمرو ولكن النزعة القبلية الجاهلية تغلبت على قلبه والنبي جاء لمحق هذه الجاهلية والوحشية في النفوس وتحطيم أصنام النفس الأمارة بالسوء والكبر قبل أصنام الحج، استدعى رسول  الله، علياً بن أبي  طالب وأرسله قائداً على سرية من المهاجرين لقتال عمرو وبني زبيد، كما أرسل خالد بن الوليد على رأس جماعة من الأعراب وأمره بالمسير إلى جعفى ــ وهي قبيلة قحطانية من سعد العشيرة ــ ، فإذا التقيا فأمير الجيشين أمير المؤمنين .

فسار أمير المؤمنين ونصب على مقدمة جيشه خالد بن سعيد بن العاص ونصب خالد على مقدمة جيشه أبا موسى الأشعري، وأما جعفى فإنها لما سمعت بالجيش افترقت فرقتين: فذهبت فرقة إلى اليمن وانضمت الفرقة الأخرى إلى بني زبيد، فبلغ ذلك أمير المؤمنين فكتب إلى خالد بن الوليد: أن قف حيث أدركك رسولي، ولكن خالد عصى أمر أمير المؤمنين، فلم يقف فكتب إلى خالد بن سعيد بن العاص: تعرّض له حتى تحبسه، فاعترض له خالد حتى حبسه، وأدركه أمير المؤمنين فعنّفه على خلافه، ثم سار حتى لقي بني زبيد بوادٍ يسمى كثير، فلما رأوه بنو زبيد قالوا لعمرو: كيف أنت يا أبا ثور ــ وهي كنية عمرو وكُني بها لشجاعته ــ إذا لقيك هذا الغلام القرشي فأخذ منك الإتاوة ؟ قال: سيعلم إن لقيني .

وخرج عمرو فقال: من يبارز؟ فنهض إليه أمير المؤمنين وقام إليه خالد بن سعيد، وقال له: دعني يا أبا الحسن بأبي أنت وأمي أبارزه، فقال له أمير المؤمنين: إن كنت ترى أن لي عليك طاعة فقف مكانك، فتوقف خالد، ثم برز إليه أمير المؤمنين فصاح به صيحة فانهزم عمرو، وقتل أمير المؤمنين أخا عمرو وابن أخيه وسُبيت نساء من زبيد.

وانصرف أمير المؤمنين وترك على بني زبيد خالد بن سعيد ليقبض صدقاتهم، ويؤمِن من عاد إليهم ممن هرب مسلماً، فرجع عمرو بن معدي كرب واستأذن على خالد بن سعيد فأذن له، فعاد إلى الإسلام.

وكان أمير المؤمنين قد اصطفى من السبي جارية، فغضب خالد بن الوليد وبعث بريدة الأسلمي ومعه كتاب منه إلى النبي، وقال له: تقدم الجيش إليه فأعلمه بما فعل علي من اصطفائه الجارية من الخمس لنفسه، وقِعْ فيه فسار بريدة حتى دخل المدينة وجاء إلى باب رسول الله فلقيه عمر بن الخطاب، فسأله عن حال غزوتهم وعن الذي أقدمه فأخبره أنه إنما جاء ليقع في علي وذكر له اصطفاءه الجارية من الخمس لنفسه، فقال له عمر: امضِ لما جئت له فإنه سيغضب لابنته مما صنع علي، فدخل بريدة على النبي ومعه كتاب خالد وفيه يطعن بأمير المؤمنين وينتقص منه، أخذ رسول الله كتاب خالد وقرأه فتغيّر وجهه فقال بريدة وهو يظن أن رسول الله قد غضب على علي فأراد أن يدعم كتاب خالد بقوله: يا رسول الله إنك إن رخصت للناس في مثل هذا ذهب فيئهم، لكن رد رسول الله كان عكس ما كان يتوقع بريدة، فقال له غاضباً: ويحك يا بريدة أحدثت نفاقاً؟ إن علياً بن أبي طالب يحل له من الفيء ما يحل لي، إن علياً بن أبي  طالب، خير الناس لك ولقومك، وخير من أخلف بعدي لكافة أمتي، يا بريدة احذر أن تبغض علياً فيبغضك الله.

ارتجف بريدة وهو يتمنى أن الأرض قد انشقت وابتلعته ولم يكن قال ما قال، فقال: أعوذ بالله من سخط الله وسخط رسول الله، يا رسول الله استغفر لي، فلن أبغضن علياً أبداً ولا أقول فيه إلا خيراً، فاستغفر له النبي.

هذه مجمل قصة خولة ولقائها بالإمام أمير المؤمنين وبذلك فإنّ محمّداً بن الحنفية هو الولد الثالث من ولد الإمام وهو أكبر أولاد الإمام علي بعد الإمامين ‏الحسن والحسين،‏ وهناك اتفاق تام على أنه كان بجنب والده في حروبه في الجمل وصفين والنهروان.

نسبها

أما نسب السيدة خولة، فقد ذكر الطبري والبلاذري ومحمد بن سعد نسبها وهو: إنها خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة بن لجيم، وقد أكمل السمعاني وابن الأثير الجزري نسب خولة إلى عدنان، فقالا: لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن ‏أفصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان.

أما أمها فهي: أسماء بنت عمرو بن أرقم بن عبيد بن ثعلبة، وهي من بني حنيفة أيضاً وهي بنت عمّ زوجها وهما يلتقيان عند الجد الثاني وهو عبيد بن ثعلبة كما هو واضح من نسبيهما، وهذا ما اتفقت عليه كل المصادر المعتبرة على نسب السيدة خولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى