دلهم بنت عمرو.. وموقف صحوة الضمير

تُعتبر السيدة دلهم بنت عمرو زوجة الشهيد زهير بن القين، واحدة من النساء اللاتي لم يوقفهن الظلم والفساد الذي انتشر آنذاك من نصرة ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فهي كانت الصوت الذي أيقظ ضمير زوجها الشهيد زهير في الذهاب والاستشهاد الى جانب الامام الحسين عليه السلام.
سبحان الله ! أيبعثُ إليك ابنُ رسول الله ثم لا تأتيه ؟! فلو أتيتَه فسمعتَ من كلامه؟ حينما تنقلب حياة الإنسان جذرياً بكلمة واحدة فإن تلك الكلمة بمثابة وحي يبعثه الله في قلب القائل، وهذا الوحي الذي يوحيه الله لهداية إنسان يحبه إلى طريقه لا يضعه إلا في النفوس الشريفة والقلوب الطاهرة.
هذه الكلمات أطلقتها السيدة دلهم بنت عمرو زوجة الشهيد زهير بن القين والتي يمر بها المؤرخون مرور الكرام وكأنها مقولة تاريخية ميتة، ولكنها في الحقيقة احتوت على روح تتنفس وتشرق كلما مر بها القارئ، ولم يلتفت إليها المؤرخون ولم يُعنوا بتقييمها أو بالأحرى لم ينتبهوا إلى الروح النابضة فيها والفكرة التي تكمن خلفها.
إن قلوبهم لم تتعود على عملية الهمس التاريخي الذي توحي به الحوادث والكلمات فدوّنوا هذه الكلمات بشعور بليد خالٍ من أي إشراق يرجع تلك الكلمات إلى زمنها ليعيش معها القارئ وكأنه يسمعها من صاحبها وفق ملابسات عصرها وإحساس قائلها.
خرج زهير مع زوجته وبعض أصحابه في قافلة من مكة بالتزامن من خروج الحسين منها، فكان زهير يكره أن يسايره في منزل أو يلتقي به، فإذا سار الحسين تخلف زهير وإذا نزل تقدم، ولكن مشيئة الله أبت إلا أن يلتقيا عندما وصلا في الطريق إلى مكان كان لا بد لهما أن ينزلا متقابلين.. فنزل الحسين في جانب ونزل زهير في الجانب الآخر.
كان زهير يتغدى مع أصحابه حينما سمع جلبة فرس فاستفسر، فقيل له: إن رسولاً من الحسين جاء لمقابلتك! التفت كل من الجالسين إلى زهير وقد فُغرت أفواههم من الدهشة وكأنهم يسألونه توضيح الخبر، ساد المكان الصمت الممزوج بالترقب وترك الحاضرون ما في أيديهم من الطعام وهم يترقبون ما جاء به الرسول: ــ يا زهير بن القين إن أبا عبد الله الحسين بن علي بعثني إليك لتأتيه.
استعاد زهير ذهنه واستوعب الخبر وكأنه أفاق من غيبوبة وقال: والله ما خرجت من مكة إلا خشية لقائه، رفض زهير الدعوة مبرراً ذلك بأنه لا يريد أن يحشر أنفه في قضايا لا تعنيه وأن يلج بنفسه في هذه المواقف السياسية التي هو في غنى عنها مرجحاً أن يكون بمنأى عنها، هكذا كان تفكيره حينها، وكانت دلهم تستمع لحديث الرسول مع زوجها من خبائها وقلبها يضطرب ويخفق بشدة… كان بودّها أن تصرخ: لا… لا تقل هذا لابن بنت رسول الله.
لا تقل هذا للحسين الذي خرج مضحياً بنفسه وأهله وأصحابه من أجلنا ومن أجل أمة جده يريد أن يمنع الجاهلية الأولى أن تعود يريد ألا يبقى جائع في هذه الصحراء يريد ألا يُظلم برئ، أبت وهي الحرة جواب زوجها، ولكنها رفضت أيضاً أن تتصرّف تصرّفاً مُشيناً يثلم من وقارها وعقلها، أطفأت العاصفة التي تموج في داخلها برذاذ الصبر والتأني فانتظرت حتى فرغ المجلس فخرجت وتكلمت مع زوجها كما يليق بالزوجة الصالحة أن تتكلم مع زوجها، سرت كلماتها في جسد زوجها وتغلغلت إلى قلبه فحدق بوجهها وكأنه يرفع عن عينيه غشاوة ثم خرج وركب فرسه وانطلق به نحو، الحسين.
لم يطل مكوثه عند الحسين طويلاً فسرعان ما عاد مستبشرا قد أسفر وجهه، فأمر بفسطاطه ومتاعه فحمل إلى الحسين، ثم قال لدلهم: أنت طالق ! إلحقي بأهلك، فإني لا أحب أن يصيبك بسببي إلا خير، ثم قال لأصحابه: من أحب منكم أن يتبعني وإلا فإنه آخر العهد! ثم استطرد وكأنه تذكر شيئاً كان قد نسيه: إني سأحدثكم حديثاً، لقد غزونا بلنجر ففتح الله علينا وأصبنا غنائم، فقال لنا سلمان: أفرحتم ؟ قلنا: نعم، فقال: إذا أدركتم سيد شباب آل محمد فكونوا أشد فرحاً بقتالكم معه مما أصبتم اليوم من الغنائم، فأما أنا فأستودعكم الله.
إنه صوت الضمير الذي أيقظته فيه كلمات دلهم فأبصر فيه واستبصر وراح يدعو إليه من ضلّ عن سواء السبيل.
إنها تضحية من نوع خاص لا يأتي بمثلها أي رجل ولا تأتي بمثلها أية امرأة، لقد دلت دلهم زوجها على طريق الله وأرشدته إلى حياة الخلود التي لا فناء لها ولا اضمحلال مفضلة إياها على بقاء زوجها معها في الحياة الفانية فكانت نعم المرأة الصالحة التي آثرت رضا الله على رضا السلطان.



