اخر الأخبارثقافية

حضور غزّة وغيابها في السينما الفلسطينية

سليم البيك..

كان لغزة حضور مستحَق في مصداقية المضمون والشكل السينمائيين، بمعزل عن جودة الأفلام فهذه مسألة أخرى، ويمكن اختصار غزة في أربعة أفلام منحت القطاع صوتاً وصورةً وثيقين ومستحَقّين، «حتى إشعار آخر» و»حيفا» لمشهراوي، و»ديجراديه» و»غزة مونامور» للأخوين ناصر. أما الفيلم الأخير، وكان بداية العقد الثالث من الألفية، فقد صوّر الشخصية الغزّية بحالتها الإنسانية الهشّة، في تفاصيل مشاعرية وحميمة ضمن قطاع محاصَر خارجياً وداخلياً، في قصة حب لكهلَين.

إلى حينه، يختمُ حضورَ القطاع فيلم «أسبوع غزاوي» الذي يصوّر محاولات امرأة إسرائيلية وصديقها الهرب والخروج من القطاع. لا يكتفي الفيلم بالابتذال الفني والسردي، بل يصل حدَّ الإساءة إلى القطاع ومكانته.

في هذه الأفلام الروائية الطويلة حضرت غزة كموقع أساسي لا ثانوي، أما الوثائقية ففيها وفرة، ببساطة لأن الوثائقي في الحالة الفلسطينية يرتكز على المآسي الجمعية، والقطاع مزدحم بذلك، من فيلم مصطفى أبو علي «مشاهد من الاحتلال في غزة» بدايات العمل السينمائي في السبعينيات، إلى أيامنا هذه. وعلى مختلف أشكال هذه الأفلام، سينمائية وتلفزيونية. في حين تتركّز الأفلام الروائية عموماً على القصص الفردية، وذلك بنسبٍ متفاوتة في الحالتين.

أما الأسباب المتقاطعة في غياب القطاع منذ عام 2000 إلى اليوم، في لائحة طويلة من الأفلام الروائية الفلسطينية التي لم يحضر القطاع فيها سوى في القليل المذكور هنا، فهو سطوة باقي المناطق الفلسطينية، مدن الضفة تحديداً، بصفتها الموقع السينمائي الفلسطيني، تابعةً «شرعيَّتها» كموقع سياسي معترَف به، ويتكرّس ذلك بالتراكم، ككرة الثلج، لتتهمّش غزة أكثر، بتناقض فاضح مع حالتها ضمن الواقع الفلسطيني. فلسطين هي الضفة الغربية ورام الله في مركزها، هذا ما أراده العالم، السينمائي والسياسي، وهذا ما انحازت إليه أفلامنا.

لِمَ لمْ نرَ فيلماً، بعد، عن قصصٍ لأفراد، ما بعد حربٍ أو قصفٍ أو غيره في غزة، أو حتى في حالات الهدَن ما بين الحروب عليها؟ لمَ تتركّز الأفلام في رام الله، عاصمة السلطة الفلسطينية؟ وإن صوّرت مناطقَ أخرى كالقدس وحيفا وغيرهما، تبقى حائمة حول رام الله التي تصرّ على الحضور بأي شكل، إن لم تكن موقعاً أساسياً للأحداث، كأن «الشرعية الوطنية» للفيلم، أو سمته الفلسطينية، تأتي من عاصمة السلطة، كأن فلسطينية المكان والشخصيات لا تأتي سوى من هناك، المدينة الآمنة لضرورات جيوسياسية. هو الموقع الذي سمح به العالم ليكون «المكانَ الفلسطيني» وما دونه «مناطق نزاع». نسمع ذلك في المؤتمرات الأممية والدولية ونشاهده، آسفين، في السينما الفلسطينية.

فلتكن غزة، لمكانتها في التاريخ والراهن الفلسطينيين، موقعاً مستحَقّاً للسينما الفلسطينية. يمكن أن يَخرج القطاع الذي عاش ويعيش حالةً من أشدّ تراجيديّات الفلسطينيين، بقصصٍ وشخصيات فيها كل المبّررات والمحفّزات لسيناريو وتصوير يسعى لمثيلاتها السينمائيون في العالم، هناك حيث تتكدّس القصص والمآسي. من هناك تخرج كبرى التراجيديات. هذا ما تجاهلته السينما الفلسطينية لربع قرن. هذا ما يتوجّب، اليوم، على هذه السينما أن تبحث عنه، تعويضاً لأعوام طويلة من التهميش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى