جوانب من حياة الإمام الحسن العسكري “عليه السلام”

في ذكرى ولادته
هو الامام الحادي عشر وتقلد عليه السلام الامامة بعد استشهاد ابيه الهادي صلوات الله عليهما، وكانت فترة حكمه هي الاقصر بين جميع الأئمة، نشأ في بيت الهداية ومركز الإمامة الكُبرى ذلك البيت الرفيع الذي أذهب الله عن أهله الرجس وطهّرهم تطهيرا.
ظفر الإمام أبو محمّد بأسمى صور التربية الرفيعة وهو يترعرع في بيت زكّاه الله وأعلى ذكره ورفع شأنه حيث {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ* رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} ، ذلك البيت الذي رفع كلمة الله لتكون هي العليا في الأرض وقدّم القرابين الغالية في سبيل رسالة الله .
وقطع الإمام الزكي شوطاً من حياته مع أبيه الإمام الهادي(ع) لم يفارقه في حِلّه وتِرحاله ، وكان يرى فيه صورة صادقة لمُثل جدّه الرسول الأعظم’، كما كان يرى فيه أبوه أنّه امتداد الرسالة والإمامة، فكان يوليه أكبر اهتمامه ، ولقد أشاد الإمام الهادي(ع) بفضل ابنه الحسن العسكري قائلاً: “أبو محمّد ابني أصحّ آل محمّد’ غريزةً وأوثقهم حجة . وهو الأكبر من ولدي وهو الخلف وإليه تنتهي عرى الإمامة وأحكامها”، والإمام الهادي بعيد عن المُحاباة والاندفاع العاطفي مثله في ذلك آباؤه المعصومون .
وقد لازم الإمام أبو محمّد (ع) أباه طيلة عقدين من الزمن وهو يشاهد كل ما يجري عليه وعلى شيعته من صنوف الظلم والاعتداء، وانتقل الإمام العسكري (ع) مع والده إلى سُرَّ من رأى (سامراء) حيث كتب المتوكل إليه في الشخوص من المدينة، وذلك حينما وُشي بالإمام الهادي(ع) عنده، حيث كتب إليه عبد الله بن محمّد بن داود الهاشمي : “يذكر أنّ قوماً يقولون إنّه الإمام ـ أي عليّ الهادي(ع) ـ فشخص عن المدينة وشخص يحيى بن هرثمة معه حتى صار إلى بغداد، فلمّا كان بموضع يُقال له الياسرية نزل هناك ، وركب إسحاق بن إبراهيم لتلقّيه ، فرأى تشوّق الناس إليه واجتماعهم لرؤيته ، فأقام إلى الليل ، ودخل به في الليل ، فأقام ببغداد بعض تلك الليلة ثم نفذ إلى سُرَّ من رأى”.
وكان استشهاد والده (سنة 254هـ) وتقلّد الإمامة بعده، وكانت فترة إمامته أقصر فترة قضاها إمام من أئمة أهل البيت الأطهار وهم أصح الناس أبداناً وسلامة نفسيّة وجسديّة، قد استشهد وهو بعدُ لمّا يكمل العقد الثالث من عمره الشريف ، إذ كان استشهاده في سنة (260هـ) فتكون مدة إمامته(ع) ست سنين، وهذه المدة القصيرة تعكس لنا مدى رعب حكّام الدولة العبّاسية منه ومن دوره الفاعل في الأُمّة، لذا عاجلوه بعد السجن والتضييق بدس السم له وهو لم يزل شاباً في الثامنة أو التاسعة والعشرين من عمره الميمون.
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ المنقول التاريخي عن الإمام العسكري (ع) في ظل حياة والده الإمام عليّ الهادي (ع) ومواقفهما لا يتعدى الولادة والوفاة والنسب الشريف وحوادث ومواقف يسيرة لا تتناسب ودور الإمام (ع) الذي كان يتمثل في حفظ الشريعة والعمل على إبعاد الأُمّة عن الانحراف ومواجهة التحديات التي كانت تواجهها من قبل أعداء الإسلام.
غيرَ أنَّ مجموعة من الروايات التي نقلها لنا بعض المحدثين تشير إلى اُمور مهمّة من حياة الإمام العسكري(ع)، وقد أشار الإمام العسكري نفسه إلى صعوبة ظرفه بقوله (ع): “ما مُنيَ أحد من آبائي بمثل ما مُنيتُ به من شك هذه العصابة فيّ”.
وهذا شاهد آخر على حراجة الظروف السياسية والاجتماعية التي كانت تحيط بالإمامين العسكريين عليّ بن محمّد والحسن بن عليّ والتي كانت تحتم إبعاد الإمام العسكري من الأضواء والاتصال بالعامة إلاّ في حدود يسمح الظرف بها، أو تفرضها ضرورة بيان منزلته وإمامته وعلو مكانته وإتمام الحجّة به على الخواص والثقات من أصحابه، كل ذلك من أجل الحفاظ على حياته من طواغيت بني العباس.



