اخر الأخبارثقافية

«تابو».. البحث عن أصل  شرِّ الحرب ومآسي الاحتلال  الأمريكي

  رواية تدوِّن سرديات الفنتازيا العراقية

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد علي حسن الفواز أن حدث رواية «تابو» الرئيس يتجوهر حول فكرة البحث عن أصل «الشر» ليس بوصفه الديني أو السحري، بل بوصفه جزءا من سايكولوجيا الإنسان ذاته، أو أنها قناع له.

وقال الفواز في قراءة خص بها ” المراقب العراقي”: في رواية « تابو» للروائي حميد المختار نرى أن حدث الرواية الرئيس يتجوهر حول فكرة البحث عن أصل «الشر» ليس بوصفه الديني أو السحري، بل بوصفه جزءا من سايكولوجيا الإنسان ذاته، أو أنها قناع له، الذي يتحوّل إلى «قوة ساحرة» تتسرب من الهامشي، ومن المقموع، ومن أسطورة «الخطيئة الأولى» إلى سردنة فكرة «مكان الطرد» إذ تبدو الأمكنة، وكأنها مُصابة بعدوى الطرد، فتتحوّل إلى دستوبيات، يتوحش فيها الإنسان، النظير لـ»إبليس» وهو يفرض وجوده الإغوائي، مثلما يقود الآخرين إلى توحش غرائبي للهامش، حيث تعيش شخصياته الباحثة عن وهم الخلاص والتطهير، وكأنها شخصيات نعمان عاشور في عوالم «اللي تحت» حيث التشوهات النفسية، وحيث العطب الروحي، وحيث الذهاب إلى الخرافة كنوع من التعويض، وحيث البحث عن الجنس المقموع كنوع من الاحتجاج على رثاثة الجسد”.

وأضاف :أن “سردية «تابو» هي الكشف عن سر الممنوع الذي يصنعه الشر الإنساني، مثلما هي كشف عن سردية خرق «الحدود» بالمعنى الفقهي، إذ يحضر كائن هذا الشر بوصفه الغاوي، أو الصاحب الذي يتمرد، ويخرق، حيث يلبس قناع الشيطان، وهذا ليس توصيفا «فاوستيا» بقدر ما هو شغف حاد للتوغل في داخل «الشخصية العراقية» المسكونة بفوبيا الخطيئة، والمكشوفة على تاريخ طويل من الحروب والاستبداد والفقر والخرافة، التي تجعل من فكرة «الشر» بوصفها الشيطاني، كأنها تملك إيهاما بالاستحواذ، وبقتل الآخر/ قتل الأخ/ قتل الند/ المعارض”.

وتابع : إن”اختفاء «عبد الحميد» هو مدخل لصياغة مستويات السرد في الرواية، عبر تقويض الحدث الواقعي، وترحيل المكان/ قطاع 33 من الجغرافيا إلى الفنتازيا، حيث تتحول وصيته المتروكة، واعترافاته الغامضة إلى «سرد داخلي» فضائحي، تطهيري، يأخذنا إلى عوالمه الخفية، بدءا من الطفولة وحكاية العائلة السحرية، إلى السجون والحروب وليس انتهاء بالصحوة المُستفزة، التي يكشف فيها السارد العليم عن أزمته الوجودية، وعن قلقه ووقوعه في فخ الغرائبية العراقية، التي حدثت ما بعد عام 2003، وطبيعة شخصياته المتحولة والمتغولة عبر أنموذج الشيخ عبد القادر النسر، الذي يحمل معه روح الشر، واصطناع ما يشبه ميثولوجيا الغواية عبر التسرّب الخادع إلى النظام الجديد، بعلاماته وغواياته ومجازاته المُضللة، فضلا عن شخصية «مزاحم الهيلاني» الشاذ والمنحرف، الذي يمثل بخنثويته سيمياء الرياء والنفاق والشر الشيطاني”.

وأوضح :أن”اعتراف أو شهادة «عبد الحميد» وهو اسم يقترب من اسم الروائي، أو ربما هو قناعه، يفصح عن سلسلة من التحولات الفارقة، بدءا من تحوّل الزمن النفسي في «القطّاع» حيث التشبّع بالفقر والميثولوجيا والهامشية، إلى زمن سياسي له مفارقاته الدامية، وله أوهامه التي بدأت تتسلل إلى حياة الناس لتزيد من تشوهها، ولتعمّق لديها الإحساس المرعب بالفقد، حيث يكون الفقد هو ثيمة الغرائبية والجنون التي تُصيب الناس”.

وبين:أن “هذه « الواقعية السحرية» تحمل معها غرائبية المسكوت عنه، وبروز صخب الحرب وغرائبيتها في الفقد «صمت القطاع يعني موت الأبناء، وخرس المستقبل الذي اعتقله الحاضر المتصامت» وحيث يعود الجرحى معاقين منها «عاد عمي كشكول وقد نهشت ربلة ساقه اليسرى ذئبة شرسة، ثم عاد رجال محلتنا وجيء بالقتلى وهم ملفوفون بالأعلام الممزقة، لكن الأسطة مطشر لم يعد.. وبقي فراش عمتنا باردا بلا رجل يملأ عليها وحدتها ويطرد صراصير الوحشة وهوام الظلام» وحيث الاستغراق بمتاهات الصوفية والعرفان، وحيث البحث عن “إبليس» لمقاضاته عن الشر الذي أصاب الناس، وهي تورية للبحث عن «السلطة» وجماعاتها الذين وزعوا الشر بالتساوي بين الناس، فكان شرُّ الحرب والفقد، وشرُّ السجن والطرد والفقر، مثلما كان شرُّ الاحتلال والتشظي الهوياتي، والمأزق الوجودي الذي عاشه البطل/ السارد الرئيس وهو يواجه محنته، بعد أن اكتشف بأنه كان ضحية لجريمة قتل، وأن القتيل يشبهه، ويحمل أوراقه الثبوتية نفسها. هذه الفنتازيا الكابوسية تكشف عن غرائبية الوجود في القطاع، فشخصياته الأضحوية تتحول إلى قرابين في مصائرها، وفي خضوعها إلى سوداوية الوجود في مواجهة الفقد والحروب والقمع والغياب وانطفاء الجمال، وحيث يعود إليها الأولاد مشوهين، وتظل النساء متلفعات بحزن غريب، وبسرديات الخراب الأقرب إلى الفنتازيا”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى