مظلومية السيدة فاطمة الزهراء “عليها السلام”

عاصرت سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء “عليها السلام”، بعد استشهاد الرسول “صلى الله عليه وآله وسلم” مرحلة عصيبة خاصة وان زوجها أمير المؤمنين الإمام علي “عليه السلام” كان يعمل بوصية رسول الله (ص) التي تركها لديه بعد ارتقائه الى الله عز وجل، والتي تنص وفقا للروايات، ان الرسول (ص) أوصى أمير المؤمنين بأن قوماً سيعتدون على فاطمة الزهراء “عليها السلام”.
وعلى إثر هذه المظلومية، فأن السيدة فاطمة الزهراء “صلوات الله عليها” طلبت بأن يتم دفنها ليلا ودون ان يعرف أحد مكان قبرها، وهو ما قام به أمير المؤمنين “عليه السلام”، وكل تلك كانت أدلة قاطعة على الانقلاب الذي نفذه بعض أصحاب الرسول “صلى الله عليه واله وسلم” على آل بيت النبوة.
وترجم أمير المؤمنين (عليه السلام) مظلوميتها في كلام له عند دفنها (سلام الله عليها) إذ زار قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال: (السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ عَنِّي، وَعَنِ ابْنَتِكَ النَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ، وَالسَّرِيعَةِ اللَّحَاقِ بِكَ) يشير هذا النص إلى أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يسمع نداءه (عليه السلام) وفيه يصف أمير المؤمنين (عليه السلام) الحال التي كانت عليها الزهراء (صلوات الله عليها) فهي أقرب من نزل إلى جواره من أهل بيته (عليهم السلام) وأول من لحق به كما وعدها.
ويظهر حزنه (عليه السلام) في قوله: (قَلَّ يَا رَسُولَ اللهِ عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي، وَرَقَّ عَنْهَا تَجَلُّدِي، إِلاَّ أَنَّ لِي فِي التَّأَسِّيِ بِعَظِيمِ فُرْقَتِكَ، وَفَادِحِ مُصِيبَتِكَ، مَوْضِعَ تَعَزّ، فَلَقَدْ وَسَّدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ، وَفَاضَتْ بَيْنَ نَحْرِي وَصَدْرِي نَفْسُكَ {إنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} وهنا يبين الإمام (عليه السلام) عِظم مصيبته المتمثلة بفقد رسول الله وابنته (صلوات الله عليهم)، ولكن عند النظر إلى قوله (قلَّ يا رسول الله عن صفيتك صبري) يظهر أن حزنه لفقدها ولما حل بها قبل استشهادها، ثم يسترجع فهو مؤمن بقضاء الله وقدره مسلِّم له أموره وكيف لا وهو خير من خلق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
وفي قوله: (وَالْسَّلاَمُ عَلَيْكُمَا سَلاَمَ مُوَدِّع، لاَ قَال وَلاَ سَئم، فَإنْ أَنْصَرِفْ فَلاَ عَنْ مَلاَلَة، وَإِنْ أُقِمْ فَلاَ عَنْ سُوءِ ظَنٍّ بِمَا وَعَدَ اللهُ الصَّابِرِينَ) يبدأ الوداع في هذا المقطع، فختمه أمير المؤمنين (عليه السلام) بما بدأ به كلامه وهو السلام، ثم يذكر أن هذا الوداع لا عن بغض أو سئم أو ملل أو سوء ظن بوعد الله وحاشا لأمير المؤمنين (عليه السلام) أن يكون كذلك.
ومما سبق يتبين حجم مصاب أمير المؤمنين (عليه السلام) بفقدهما (صوات الله عليهما) وعند تأمل النص نرى أنه يسير في بكائية واضحة، فكأن أمير المؤمنين (عليه السلام) يتكلم ويبكي في هذا النص لما حل به من مصيبة، ويؤكد هذا ما روي عنه (عليه السلام) عندما سأله عمار بن ياسر (رضوان الله عليه) (يا سيّدي ما بالكُم تَأمرونا بالصَبر على المصيبة ونراكم تَجزعَون؟).
فقال (عليه السلام): يا عمّار إن العزاء عَن مِثلِ مَن فقَدته لعزيز، يا عمّار، لَما فقَدتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت فاطمة الزهراء هي الخَلَف منه والعوض عنه، وكانت صَلواتُ الله عليها إذا نطَقَت مَلأَت سمعي بكلامِهِ، وإن مَشَت حَكَتْ كريم قوامه، فوَالله يا عمّار ما أحْسَسْتُ بوجع المصيبة إلا بوفاتها، وما أحَسستُ بألم الفراق إلا بفراقها .
قال عمّار: فأبكاني كلامه وبكاؤه فبكيتُ رحمةً له، فقلت: يا أمير المؤمنين اعلم أن الناس صنفان: مقرر ومفتَقِرٌ إليك، وقول الناصح ثقيل) وهكذا يعبّر الإمام (عليه السلام) عن مصيبة الزهراء التي حلت بها ومصيبته بفقدها في هذا الكلام الذي جمع كل ما جرى عليهما بعبارات واضحة ومختصرة لأن صاحب المصاب لا يطنب في الكلام وإنما يوجز، فقد أوجز الإمام (عليه السلام) ما حدث في هذا.



