اخر الأخبار

الولايات المتحدة الأمريكية وضعت خطة عام 1956 لإحتلال سوريا بمساهمة من تركيا والسعودية

خهجخحجخ

الزيارات المتبادلة بين آل سعود والاسرائيليين ليست جديدة واللقاءات قديمة بينهما فمنها اللقاءات التي جرت بين ديفيد بن غوريون وموشيه شيرتوك مع مستشارين سعوديين كبار في لندن في ثلاثينيات القرن الماضي (من بينهم حافظ وهبة وهو من كبار مستشاري الملك عبد العزيز، وهو مصري الجنسية، وكان كل مستشاري الملك غير سعوديين)، وقال بن غوريون لوهبة «فقط ملوك آل سعود هم قادرون على التأثير في المصالحة التاريخية بين العرب واليهود في فلسطين». هل استدرك الاسرائيليون الأمر حين فشل التطبيع عبر البوابتين المصرية والاردنية، وها هم يطرقون الأبواب السعودية ومعها أبواب خليجية أخرى (قطرية وإماراتية وبحرينية)؟شهد عقد الخمسينيات ثورة عربية وشرق أوسطية شاملة من أجل الاستقلال عن الاستعمار الاجنبي. وخشي الغرب من تعرض اسرائيل لخطر جدّي من الشعوب العربية الثائرة. ولكن ليس أمضى من «الشقاق الداخلي» سلاحاً لضمان سلامة الكيان الاسرائيلي. فقد انقدحت فكرة الحلف الاسلامي سنة 1957 في لقاء بين الملك سعود والرئيس ايزنهاور، الذي صمّم لمواجهة الشيوعية ظاهراً، ولكن في صميمه تحوّل الى مصدر لضرب لحركة القومية العربية كأيديولوجية بكل أشكالها.، كانت فكرة تشكيل الحلف الاسلامي بقيادة السعودية موجّهة في الأساس ضد المشروع القومي العربي. في 5 كانون الثاني سنة 1957 أعلن الرئيس ايزنهاور عن مبدئه في السياسة الخارجية بتعهده تقديم المساعدة العسكرية والاقتصادية لأي بلد شرق أوسطي بحاجة للمساعدة بهدف مكافحة الشيوعية. وكان الغرض من المبدأ مواجهة النفوذ السوفياتي المتنامي في الشرق الأوسط، والذي نتج من تزويد السلاح لمصر من بلدان شيوعية مثل تشيكوسلوفاكيا في عام 1955 وكانت هي بمثابة غطاء للبائع الروسي للسلاح، وكذلك من دعم شيوعي قومي من بلدان عربية ضد الهجوم الاسرائيلي الفرنسي البريطاني على مصر في تشرين الاول 1956. وأكّد ايزنهاور وبموافقة الكونغرس بأنه سوف يستخدم القوات المسلّحة لحماية استغلال أي بلد شرق أوسطي يطلب المساعدة الأميركية.
وكشف الرئيس ايزنهاور في مذكراته خطة احتلال سوريا، وأجرى محادثات بهذا الشأن مع تركيا، لكن مصر أجهضت الخطة بإرسال قوات المظلات إلى سوريا، لمساندة الجيش، وقد تفاهمت السعودية وتركيا على الخطة. وبعد أن تأكدت المخابرات المصرية من وجود خطة أميركية بمشاركة تركيا لغزو سوريا، قرّر عبد الناصر استعجال اعلان الوحدة المصرية السورية. وفضح عبد الناصر مخطّط الحلف الاسلامي، وقال في خطاب عيد الوحدة في جامعة القاهرة، أن أميركا كانت تسعى إلى إقامة قوى مضادة للثورة التي تتزعمها مصر آنذاك، وأن آيزنهاور اقترح على الملك سعود شن حملة دعائية إسلامية وإنشاء حلف إسلامي، ودعا آيزنهاور الملك سعود إلى أميركا واستقبله شخصياً بالمطار. حالة الانكار التي تلبّست الملك سعود ومن بعده الملك فيصل إزاء فكرة التحالف الاسلامي، لم تقنع عبد الناصر، خصوصاً دعوى السعودية لفكرة التحالف. والحال أن مبدأ ايزنهاور قام على تقوية الدول الرجعية المحافظة مثل السعودية والعراق الملكي ولبنان وليبيا لمواجهة الناصرية كترميز لحركة القومية العربية في الخمسينيات وأرادت الولايات المتحدة السير في المواجهة مع الناصرية حتى النهاية وتقوية حلفائها، ولكنها اكتشفت في نهاية المطاف بأن الناصرية قوية الى القدر الذي يستوجب التعايش معها والقبول بها… ولكن بعد فوات الأوان.
وبحسب الاتفاق بين الرئيس إيزنهار والملك سعود، فقد تمّ خلال خمس السنوات التي تلت عام 1957 تقديم معونة عسكرية أميركية بقيمة 50 مليون دولار للسعودية، وتشمل التدريب والصيانة للقوات المسلحة وبناء مطار الظهران، و20 مليون دولار كمساعدة اقتصادية، للتنمية وتطوير ميناء الدمام بالمنطقة الشرقية، وأن تبيع الولايات المتحدة للسعودية ما قيمته 110 مليون دولار قيمة معدات عسكرية (أنظر كتاب: Salim Yaqub, Containing Arab Nationalism).
وبعد مرور شهر على بدء تنفيذ مبدأ ايزنهاور، وما تضمنه من تعهدات لدعم الحلفاء في الشرق الأوسط، دبّرت المملكة السعودية محاولة انقلاب ضد النظام في مصر في كانون الاول سنة 1957.وخلال مدة الخمسينيات رفض الرئيس ايزنهاور والشقيقان دالاس (جون فوستر دالاس، وزير الخارجية، والن دالاس، مدير وكالة الاستخبارات المركزية السي آي أيه) مقترحاً سوفياتياً بجعل الشرق الأوسط منطقة محايدة، وتمكين العرب من حكم بلادهم. على العكس، شنّت الولايات المتحدة حرباً شعواء ضد القومية العربية، ومن أجل شرعنة الحرب سعودياً تمّت مكافأة القومية بالشيوعية، خصوصاً بعد اندلاع ثورات عربية من أجل تأميم النفط.
ولم يكن مجرّد صدفة أن تقع سلسلة محاولات انقلابية في السودان (شباط 1957) وسوريا (تموز 1957) ومصر (كانون الاول 1957) من جماعات معادية للقومية العربية. وفي شباط 1958 جرت محاولة اغتيال الزعيم جمال عبد الناصر.سعى ايزنهاور الى عزل الرئيس عبد الناصر وتحجيم نفوذه لصالح الملك سعود الذي لم يكن يحظى بشعبية على المستوى العربي، بل على العكس بدا الحكم السعودي مهدّداً بعد خروج التظاهرات في الظهران، موقع القاعدة الجوية الاميركية شرقي المملكة السعودية، تهتف بحياة الرئيس عبد الناصر وتندّد بالوجود العسكري الاميركي في المملكة، وزاد على ذلك بروز ظاهرة «الأمراء الأحراء» ولجوء بعضهم الى القاهرة تلبية لنداء العروبة من مصر.
واصلت الولايات المتحدة محاولاتها لتقويض القومية العربية برمزها جمال عبد الناصر، وحرّضت ضباطاً في الجيوش العراقية والسورية والمصرية والسودانية واليمنية وأحزاباً دينية، ومنها جماعات ذات صلة بالاخوان المسلمين وعلى تنسيق مع السعودية من أجل تنظيم حركات تمرّد مسلّحة وإسقاط الأنظمة القومية، وبدأ تنفيذ المخطط تباعاً في المدة ما بين 1961 ـ 1967 من مؤامرة إسقاط الوحدة بين مصر وسوريا سنة 1961، ثم حرب اليمن في المدة ما بين 1964 ـ 1967، ومحاولة اغتيال عبد الناصر سنة 1965 عبر ما قيل عن جماعة على صلة بالاخوان المسلمين أطلق عليها جماعة «البحث العلمي» وكانت منشغلة في تصنيع المتفجرات، ووضعت على قائمة أهدافها اغتيال عبد الناصر.
بوفاة عبد الناصر سنة 1970، بدأ ما أطلق عليه الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل بـ«الحقبة السعودية»، نتيجة متغيّرين: بدء مسار التسوية مع الكيان الاسرائيلي بعد حرب أكتوبر 1973، والطفرة النفطية وارتفاع مداخيل النظام السعودي وبدء سياسة «الشيكات» على حساب النضال العربي الذي فقد رمزه التاريخي. تلك حقبة لم تكن منفصلة عما يشهده الفضاء العربي اليوم من عملية اغتصاب للوعي القومي على يد خصوم العروبة الثورية. عروبة سعودية تعمل ضدّ الذات العربية، وروحها، وتكوينها… إنها العروبة الاسرائيلية بامتياز، عروبة تتصالح مع ضدها النوعي، وخصمها التاريخي وسبب نشوئها وترقيّها.
السعودية ومن ورائها الرجعيون الجدد تسوّروا عروبة عبد الناصر لاختطافها، ولكن هذه المرة باستخدام رافعة مذهبية. ومن سوء طالع هذه العروبة كونها متصالحة مع الصهيونية. ولم يكن محض صدفة أن يعبر قطار التطبيع مع الاسرائيلي على سكة التجييش الطائفي. العروبة السعودية ليست توحيدية على الإطلاق، بل مصمّمة لمناقضة الوحدة العربية، وإعلان الحرب عليها باسمها. خطاب العروبة المنتج سعودياً ليس فيه من سيماء العروبة، وهي نفس الايديولوجية التي حاربت مشروع العروبة الحقيقية بثنائية: الكفاح من أجل تحرير فلسطين والنضال من أجل التحرر الوطني ونيل الاستقلال، ولكن بالأمس كانت ترفع اللافتة الاسلامية واليوم تتلطى وراء عروبة مدجّنة، ولكن الحلفاء هم الحلفاء، والأهداف هي الأهداف… والخيانة هي الخيانة، ولكن مع فارق رداء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى