الإمام الصادق “ع” والانفراج الفكري لمذهب أهل البيت

يعتبر عصر الإمام الصادق “عليه السلام”، بداية الانفراج الفكري لمذهب أهل البيت “صلوات الله عليهم”، بعد المخططات التي قادها الأمويون والعباسيون لطمس هذا المذهب الذي يكشف حقيقة فسادهم وظلمهم والتصرفات الخاطئة التي ارتكبها حكامهم طيلة السنين السابقة، لذا فهم حاربوا الائمة بشتى الأنواع من القمع والظلم والحبس، اضافة الى قتل اتباعهم من العلويين.
الإمام الصادق هو مؤسس لمدرسة فكرية عظيمة آثارها ممتدة الى يومنا هذا، حيث غذا الدين الاسلامي بأروع صور التعلم والثقافات الاسلامية والحكم التي لا حصر لها، حتى سُمّي عصره بعصر انتشار علوم آل محمد “صلى الله عليه وآله وسلم”.
موقف الإمام جعفر بن محمد الصادق “عليه السَّلام”، سادس أئمة أهل البيت “عليهم السلام” من الخلافة العباسية لم يكن موقفاً مؤيداً ولا موافقاً لها، ولم يصدر منه ما يؤيد بني العباس على الإطلاق، بل كانت مواقفه موقف المعارض والمخالف لهم، كل ذلك لمعرفته بأهداف بني العباس ونواياهم السلطوية والدنيوية المخالفة للدين الإسلامي .
لكنه “عليه السَّلام” لم يكن مُحارباً لهم أيضاً ـ أي أنه لم يعلن حرباً ضدهم ـ وذلك لأنه كان يرى في المواجهة السياسية والعسكرية خطأ كبيراً وخسارة عظيمة على المصلحة الإسلامية بصورة عامة، وعلى الثلة المؤمنة بصورة خاصة، إذ أن الإمام “عليه السَّلام” كان ينظر إلى المستقبل السياسي بكل وضوح وشفافية، ولذلك فقد رفض التعاون مع أبي سلمة الخلال عندما عرض عليه قيادة المعارضة، كان يعلم بأن أبا سلمة لم يعرض هذا الأمر عليه إلا لتعزيز قوته ولإضفاء الشرعية على حركته السياسية، لضمان الوصول إلى السلطة تحت مظلة الإمام الصادق (عليه السَّلام)، إذ أن أبا سلمة لم يكن يريد إقامة دولة إسلامية تُطبِّق حكم الله كما يراه الإمام “عليه السَّلام”، والدليل على ذلك موقف الإمام عليه السَّلام من كتاب أبي سلمة وقوله: “مالي ولأبي سلمة وهو شيعة لغيري”.
ويقول الإمام الصادق “عليه السلام”: “اتّقوا الله وعليكم بالطاعة لأئمّتكم، قولوا ما يقولون، واصمتوا عمّا صمتوا، فإنّكم في سلطان من قال الله تعالى فيه: (وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ)، يعني بذلك ولد العبّاس، فاتّقوا الله فإنّكم في هدنة، صلّوا في عشائرهم واشهدوا جنائزهم وأدّوا الأمانة إليهم”.
وكانت للإمام خطط عديدة، منها:–
1ـ أعماله الحركيّة والتي أخذت طابعاً علنيّاً، وهو إقامة مدارس تعلّم الفقه، والعقائد والإسلام كتشريع وتربية وتأديب.
2ـ أعماله البنائيّة، وكانت قد أخذت الطابع السريّ -التقية-، وهو تهيئة كوادر كفيلة في مساعدته بحملته الموجهة.
وكانت تتمتع بأسلوبين:
أ ـ أسلوب الهدم، وهي هدم للأفكار الإلحاديّة والشبهات المنحرفة بردّها ودفعها وتبيان أخطائها.
ب ـ أسلوب البناء، وهو البديل الطبيعيّ للشبهات والأوهام التي ما فتئ الحكّام يشجعون ويشددون على نشرها وبثّها بين عامة الشعب، والبناء هذا كفيل بملء الفراغ.
ج ـ أسلوب الخفاء أو التقية، فمع أنه قد كتب لحركة الإمام “عليه السلام” العمر المديد، وتم له تأسيس حركة فكريّة كفيلة بحفظ الإسلام، والأمة من الشرك والانحراف بكل أوجهه، فإنه كان يقول لأحد أصحابه يا معلى، أكتم أمرنا ولا تذعه. وكان يحضّ الناس ويدفعهم للوقوف مع زيد عمه، وثورته ضد الدولة الأمويّة.



