اخر الأخباراراء

رسول الله (ص) والفتح الأخلاقي العظيم

مرتضى معاش..

يذكر في الأحاديث والادعية بان لله سبحانه وتعالى ألف اسم، وهذه الاسماء تشير إلى أخلاق الله سبحانه وتعالى كما في الحديث: (تخلقوا بأخلاق الله)، لكي يعلمنا منهج الأخلاق، فعندما يتخلق الانسان بأخلاق الله سبحانه وتعالى، تكون له بوابة ومفاتيح للحياة الصالحة المتناسقة مع النهج الإلهي، كما وصل رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى العظمة المطلقة بأخلاقه السمحة، لذلك الوصول الى العظمة في الحياة يأتي من بوابة رسول الله (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا).

منظومة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الرحمة تنتج صفات هي أعمدة لبناء الشخصية الصالحة والناجحة، تمثل مسؤولية كبرى على النخب لكي تكون نموذجاً صالحاً للأجيال الحاضرة والقادمة.

فالناس بفطرتهم يميلون الى النموذج الصالح ويتبعونه، وهذا ما تشير اليه الآية القرآنية (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)، فهذه الآيات تكشف عن الطريق للانتصار العظيم وهو الأخلاق، وهو الذي يفتح بوابة التحولات الناجحة، وفعلا نجح رسول الله (صلى الله عليه وآله) في رسالته وفتح باب التحول الكبير للإنسانية ليس الآن فحسب بل للمستقبل القريب والبعيد.

لا توجد لدينا في الإسلام القوة المفرطة أو القاسية أو العنيفة، هذا النوع من القوة يستخدمها الآخرون، أما في الإسلام فتوجد لدينا القوة اللينة والمرنة والرحيمة، والقوة التي تعطي دافعاً للإنسان من خلال عقله وفهمه، وليس من خلال تخويفه وإجباره، بل يعي ويلتزم من خلال إيمانه الواعي بالدين.

فالإيمان ينبع من خلال اختيار الإنسان، لذلك لا معنى لأية قوة مفرطة، كما في الآية القرآنية (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ)، لأن القوة الغاشمة هي إجرامية، أما القوة النابعة من الله سبحانه وتعالى، فهي قوة ذكية حكيمة ومنها تنبع السلامة والأمان، وهي قوة المقتدرين، وعكسها قوة العاجزين أو الفاشلين.

يقول الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا…) هذه الآية فيها خصوصية، ونستطيع أن نعتبرها من آيات النهضة والتقدم، لأنها تعلمنا كيف نصنع أمة متألقة وناجحة من خلال بناء النموذج الصالح.

فالوسطية تعني الاعتدال والتوازن والانسجام مع لغة الكون وخالقه، وعندما لا يحدث الانسجام معه يحدث الاختلال الذي يُنتج الأزمات، فالخروج عن الوسطية هو خروج عن التوازن المطلوب، فيكون لدينا إما التطرف والتشدد أو التفريط والانحلال وكلها تؤدي إلى كوارث، والآية القرآنية تؤكد بناء النموذج الصالح (لتكونوا شهداء على الناس)، عبر الاستمداد من سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) النموذج المطلق في صناعة الانسان الصالح.

مسير الحكم الصالح والرشيد يمر عبر بناء النماذج الصالحة في المجتمع، فالخلق العظيم هو الذي أدى إلى هداية الناس للإسلام، وأخلاق رسول الله (صلى الله عليه وآله) هي معجزة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) التي خلقت الانتصار والقوة والهداية وجعلت الناس يدخلون في دين الله أفواجا.

فلا يوجد تقدم من دون أخلاق، فأول آية في القرآن الكريم هي: بسم الله الرحمن الرحيم، أي ان كل شيء مؤطر في إطار الرحمة، واليوم السياسة بلا رحمة والاقتصاد بلا أخلاق، فنحن نعيش أزمة ولابد أن نرجع للبناء الأخلاقي، فالتدين أساسه العقيدة لكن تطبيقه أخلاقي، ومداراة الناس نصف الدين، فالدين في جوهره وأهدافه تكامل بين العقائد والأخلاق.

يجب أن نبدأ من عملية سلوكية شاملة تلك التي حث عليها القرآن الكريم وسيرة أهل البيت “عليهم السلام”، والعكس من ذلك فإن العنف هو أساس الرذائل، الانسان عندما يتربى على العنف والعبودية والنفاق، سوف يكذب لأنه خائف، الخوف أصبح عنده ملكة مسيطرة عليه فلا يستطيع أن يعبر عن رأيه بصراحة ووضوح، والبعض يعتقد بالتأديب العنيف مع ان التأديب ليست له علاقة بالعنف فالتأديب هو التربية والعنف نقيض التربية، وهذا تناقض كبير.

بالإضافة إلى ذلك أهمية التحريض على الخير فيما أمكن بكل أشكاله، ومن ضمن ذلك السعي في قضاء حوائج الناس، ففيه بركات كبيرة جداً تؤدي الى تحقيق السلم الاجتماعي والتآلف والتقارب، وحب العمل والتأدية بأمانة، وحب العمل من صفات الخيرين والمصلحين، كما ان الفساد هو نتاج الكسل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى