في ذكرى تشييده .. “قباء” أول مسجد بني في الإسلام

يعتبر مسجد قباء أول المساجد التي بنيت في الاسلام والذي بناه الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم فور وصوله الى المدينة المنورة مهاجراً من مكّة.
وقد ترك الجميع أوطانهم وأصبحوا بلا أموال، وبلا مسكن، إلى غير ذلك مما هو معلوم. وكذلك الأنصار، فأنهم أيضا كانوا فئتين متنافستين، لم تزل الحرب بينهما قائمة على قدم وساق إلى عهد قريب وقد أراد الاسلام أن ينصهر الجميع ليصبحوا كالجسد الواحد، في توادهم و تراحمهم وتعاونهم، وغير ذلك، وأن تتوحد جهودهم وأهدافهم، وحركتهم، ومواقفهم، الأمر الذي يؤكد الحاجة إلى إعداد وتربية نفسية، وخلقية، وفكرية لكل هذه الفئات، لتستطيع أن تتعايش مع بعضها البعض، ولتكون في مستوى المسؤولية، التي تؤهلها في عملية بناء للمجتمع المتكافل المتماسك الذي هو نواة الأمة الواحدة التي لها رب واحد وهدف واحد، ومصير واحد.
وليصبح هذا المجتمع قادرا على تحمل مسؤولية حماية الرسالة، والدفاع عنها، حينما يفرض عليه أن يواجه تحدي اليهود في المدينة، والعرب والمشركين، بل والعالم بأسره، لابد أن تنصهر كل الطاقات والقدرات الفكرية والمادية وغيرها لهذا المجتمع في سبيل خدمة الهدف والرسالة . والمسجد هو الذي يمكن فيه تحقيق كل ذلك، إذ لم يكن مجرد محل للعبادة فقط ولا غير، بل كان هو الوسيلة الفضلى للتثقيف الفكري، إن لم نقل: إنه لا يزال حتى الآن أفضل وسيلة لوحدة الثقافة والفكر والرأي، حينما يفترض فيها أن تكون من مصدر واحد، وتخدم هدفا واحدا في جميع مراحل الحياة، مع الشعور بالقدسية، والارتباط بالله تعالى.
وهكذا فإن ذلك من شأنه أن يبعد المجتمع المسلم عن الصراعات الفكرية، التي تنشأ عن عدم وجود وحدة موضوعية للثقافة التي يتلقاها أفراده كل على حدة، فتتخالف المفاهيم والأفكار والمستويات، وتزيد الفجوات اتساعا باستمرار، حتى يظهر نتيجة لذلك عدم الانسجام في وضوح الهدف، وفي المشاعر، وفي الاندفاع نحوه، مما يؤثر تأثيرا كبيرا على مسيرة الوصول إليه، والحصول عليه.
وبهذا يتضح أن المدرسة التي نعرفها اليوم إذا كانت لا تعطي إلا المفاهيم الجافة، والأفكار البعيدة عن واقع الانسان، والتي لا تنسجم مع احتياجاته، ولا مع تكوينه النفسي والفكري وغير ذلك، بالإضافة إلى عدم الشعور فيها بالله سبحانه وتعالى، أو الخضوع له، فإن هذه المدرسة لن تكون هي الوسيلة المنشودة، بل يكون المسجد هو الأفضل والأمثل حسبما أوضحنا، لا سيما أنها لن تكون قادرة على ملء الفراغ العقائدي والفكري له، حيث يبقى عرضة للتيارات والأهواء، وفي متناول أيدي المتاجرين بالشعوب عن طريق وسائل الاعلام الهدامة التي يملكونها.
النبي صلى الله عليه وآله قد أسس المسجد ليكون بمثابة مركز للقيادة والريادة، ففيه كان صلى الله عليه واله يستقبل الوفود، ويبت في أمور الحرب والسلم، ويفصل الخصومات وفيه كان يتم البحث عن كل ما يهم الدولة وشؤونها، والناس، ومعاملاتهم وارتباطاتهم، وليهب المسجد الناس نفحة روحية، وارتباطا بالله جل وعلا،وببعضهم البعض في كل مجالات الحياة، ومنطلقاتها، بعيدا عن النوازع الذاتية، وعن الحساسيات القبلية والعرقية، وعن تأثيرات الفوارق الاجتماعية، وفيه كان يجد الضيف قوته، والمهموم المغموم سلوته، والذي لا عشيرة له ينسى بل يجد فيه عشيرته، والمحروم من العطف والحنان يجد فيه من ذلك بغيته. والخلاصة، لقد كان المسجد موضع عبادة وتعلم وتفهم لما يفيد في أمور الدين والدنيا، وتربية نفسية وخلقية، ومحلا للبحث في كل المشاكل التي تهم الفرد والمجتمع، ومكانا مناسبا للتعارف والتآلف بين المسلمين إلى غير ذلك مما تقدم.
ويجب ان يبقى المسجد كذللك في زماننا لأن الأهداف منه لا تنحصر في زمان دون آخر،ولبعد الناس عن المساجد نوعا ما وللأسف تسبب في عدم تنمية الثقافة الإسلامية بالشكل المطلوب في مجتمعاتنا،وفي بعد الناس بعضها عن بعض لذا علينا ان نقوّي ثقافتنا الإسلامية من خلال إحيائنا للمساجد بالحضور فيها للصلاة وسماع الوعظ والإرشاد،وانتخاب من ذوي الكفاءة الدينية ليكونوا أئمّة للمساجد.
وبعد نزول رسول الله صلى عليه وآله وسلم في قباء وخلال اقامته صلى الله عليه وآله وسلم فيها أسس مسجد قباء المعروف، ويبدو أن صاحب الفكرة، والمباشر أولا في وضع المسجد هو عمار بن ياسر ومسجد قباء هو المسجد الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ﴾، و هو أول مسجد بني في الاسلام، ويبدو أن بعض النساء قد شاركن في بناء مسجد قباء، فعن ابن أبي أوفى لما توفيت امرأته جعل يقول: احملوها وارغبوا في حملها، فإنها كانت تحمل – ومواليها – بالليل حجارة المسجد الذي أسس على التقوى، وكنا نحمل بالنهار حجرين حجرين.



