إنتصار تدمر والصلف الأمريكي

عزيز الوالي
كل “الانتصارات ” التي حققتها “داعش” في وسوريا كانت في ظل التحالف الستيني الذي قادته وتقوده امريكا لمحاربة “داعش” منذ اكثر من عام ونصف العام ، والادهى من ذلك ان مواقف امريكا وحلفائها كانت وبشكل كامل مشككة بكل انتصار يحققه الجيش السوري ضد “داعش” ، بل تحاول تثبيط عزائم السوريين والرفع من عزائم الجماعات التكفيرية.
هذه الحقيقة كثيرا ما اكدتها القيادة السورية وحتى القيادة العراقية ، اللتان طالما اشتكتا من استعراضية التدخل الامريكي والحلفاء الاقليميين لاسيما تركيا والسعودية ، والذي اضاع الوقت ، وفسح المجال امام “داعش” لتتمدد في العراق وسوريا دون اي عقبات حقيقية.
منع امريكا كل جهد دولي حقيقي لمواجهة “داعش” ، اكده العراقيون في اكثر من مرة ، عندما اشتكوا من وضع امريكا العراقيل ، امام تحرير المدن والاراضي التي سيطرت عليها “داعش” منذ عام 2014 ، بذرائع واهية منها : رفض مشاركة الحشد الشعبي للحيلولة دون حصول “فتنة طائفية” ، ومنها تدريب “مقاتلين سنة” من ابناء المحافظات الغربية ، ليتولوا مهمة تحرير تلك المدن والاراضي ، ومنها عدم اكتمال الاستعدادات العسكرية ، بينما “داعش” تتمدد وتتجذر في المحافظات الغربية.القيادة السورية كانت حكيمة عندما طلبت المساعدة من روسيا ، وايران ، للوقوف معها امام الحرب التي فرضتها عليها امريكا عبر وكلائها في المنطقة والجماعات التكفيرية القادمة من اكثر من 80 بلدا من مختلف انحاء العالم ، فلم تمر سوى خمسة اشهر على التدخل الروسي ، فاذا بالانتصارات تتوالى في اللاذقية وحلب ودمشق وحمص وآخرها الانتصار المدوي للجيش السوري وحلفائه في تدمر.ان انتصار سوريا وحلفائها في تدمر ، كشف وبشكل واضح ، كذب وخداع التحالف الستيني الذي تقوده امريكا منذ اكثر من عام ونصف العام لمحاربة “داعش” ، بل كشف ايضا مدى الحقد الذي تكنه امريكا على سوريا وحلفائها ، فقد رفضت امريكا تهنئة سوريا بطرد “الدواعش” من مدينة تدمر ، وقال المتحدث باسم الخارجية الاميركية جون كيربي ان تحرير تدمر امر جيد ، ولكن الامل الاكبر بالنسبة الى سوريا وشعبها هو عدم تعزيز قدرة بشار الاسد على ممارسة “طغيانه” على الشعب السوري ، و أنه من السابق لأوانه معرفة تأثير ذلك في محادثات السلام السورية.
حالة الاحباط واليأس التي طغت على تصريحات المتحدث باسم الخارجية الامريكية ، لما اصاب “داعش” من نكسة كبرى ، هي ذات الحالة التي اصابت عضو الهيئة العليا لوفد معارضة الرياض رياض نعسان أغا ، الذي عبر عن هذه الحالة بقوله : “أخشى من أمر واحد أن خرق الهدنة سيتيح لنظام الأسد أن يقضم ما تبقى من سوريا بعد تحريره المناطق التي تسيطر عليها “داعش” و”النصرة”.
لا يحتاج المرء ان يكون محللا سياسيا حاذقا ، ليكشف مدى انزعاج امريكا والمعارضة السورية القادمة من الرياض ، لهزيمة “داعش” على يد الجيش السوري وحلفائه ، الامر الذي يؤكد ان “داعش” ليست سوى ، وسيلة تستخدمها امريكا وتركيا والسعودية وقطر والامارات ، لتحقيق اهداف سياسية ليس في سوريا بل في المنطقة برمتها.
يبدو ان الصلف الامريكي تعرض لصفعة قوية ، بعد انتصار تدمر ، فلم يعد بامكان امريكا ان تضع عصاباتها التكفيرية التي ارسلتها الى سوريا بمساعدة تركيا والسعودية وقطر والامارات والاردن ، في خانة واحدة مع الحكومة السورية، عبر التاكيد ان الشعب السوري لا يجب ان يكون بين خيارين ، النظام و “داعش” ، فمثل هذه المقولة ، اصبح من الصعب على امريكا تكرارها بعد تدمر ، بل عليها ان تنساها بالمرة بعد الانتصارات التي ستلي تدمر.ليس الشعب السوري ولا الشعوب العربية والاسلامية ، سترفض المقولة الامريكية : في وضع العصابات الوهابية التي دمرت الارث الحضاري العالمي في تدمر ، والجيش السوري الذي قدم الشهداء من اجل تحرير تدمر ،فهذه شعوب العالم ، ومنها الشعوب الاوروبية ، اخذت تميز وبدقة بين حماة الارهابيين وبين من يحارب الارهابيين ، فهذه نائبة رئيس بلدية مولنبيك في بروكسل تدلي بتصريح بعد اعتداءات بركسل الارهابية لقناة “بي أف أم” البلجيكية ، عبرت فيه عن استيائها من تجاهل حكومة بلجيكا للدور السعوديّ في تنمية التطرف، وتصدير السلفيّة الجهادية الى بلادها.
قبل ذلك قال رئيس الوزراء البلجيكي رودي فيرفورت، بأنّ مناطق في بلجيكا باتت مسمّمة بالوهابية ، التي لا تعترف بإنسانيّة الذين لا يعتنقونها، محملا السلطات المحلية في بلاده مسؤولية زيادة تأثير الوهابية مؤكدا أن قيم بلجيكا تتناقض مع قيم الوهابية.
اما مدير الشبكة الأوروبية لمناهضة العنصرية، مايكل بريفوت، فيقول إن 95% من الدورات المقدمة للمسلمين في بلجيكا يديرونها دعاة تدربوا في السعودية ، وهنا إشارة إلى الخطر القائم دوماً من نشر أفكار متطرفة على يد رجال دين سلفيين.في المقابل اخذت الحكومات الغربية تحاول التواصل مع الحكومة السورية ، التي كانت امريكا تُمني النفس باسقاطها خلال اسابيع ، عبر عصابتها التكفيرية ، فقد زار وفد برلماني فرنسي سوريا قبل ايام , التقى خلالها بالمسؤولين السوريين وعلى راسهم الرئيس بشار الاسد ، وبحث ملفات عديدة على رأسها مكافحة الإرهاب، فيما كشفت العديد من الدول انها فتحت قنوات اتصال مع الحكومة السورية ، من اجل مكافحة الارهاب ، الذي اخذ يهدد المجتمعات الغربية.انتصارات الجيش السوري ، والهجمات الارهابية للجماعات التكفيرية الوهابية في اوروبا وغيرها ، كشفت للعالم اجمع من هي الجهات الحقيقية التي تدعم الارهاب ، ومن هي الجهات الحقيقية التي تحارب الارهاب ، وقبل كل هذا وذاك كشفت ان الصلف الامريكي بدأ يتآكل ، ولن يملك في النهاية الا الاذعان للحقيقة والاعتراف بمحور المقاومة ، بانه المحور الوحيد الذي يحارب الارهاب لانه ارهاب.




