داء التكبر وتطهير القلوب

لا تخفى على أحد الآثار السلبية لداء التكبر سواء الانسان نفسه وعلاقاته مع المجتمع من حوله او على المجتمع بشكل عام، حيث إن التكبر ميزة سيئة ومنبوذة ووردت حولها احاديث وروايات كثيرة تحث على تجنب الاصابة بهذا المرض الخطير، كونه يقودنا الى تهلكة عواقبها سلبية.
وإذا أراد المرء أن يعالج نفسه من داء الكِبْر فعليه اليقظة من الغفلة، ومن ثمّ تطهير القلب بنار الندامة، وهي بمثابة الخطوة الأولى لاستئصال هذه الرذيلة من جذورها، وأمّا الدواء والعلاج فهو على قسمين:
أ- العلاج العلمي: وهو بأن يتفكّر الإنسان المتكبّر بحال نفسه، وبمفاسد الكِبْر وآثاره السلبية، فمن المفيد للتخلّص من آفة الكِبْر أن يتفكّر الإنسان أولاً في حقيقة نفسه وفقره، كيف خُلق من نطفةٍ مهينة يستقذرها الناس، ومن ثمّ أصبح طفلاً ضعيفاً لا يقوى على شيء، وحتى عندما أصبح بالغاً وقويّاً فإنّ قواه ليست تحت تصرّفه، فلا يمكنه المحافظة على شبابه وجماله وصحّته، أو دفع المرض أو البلايا عنه… وتستمرّ مسيرته إلى أن يبلغ سنّ الشيخوخة، فيكون ضعيفاً عاجزاً لا يستطيع السير خطواتٍ معدودة بمفرده، إلى أن توافيه المنيّة، فيصبح جيفةً نتنة رائحتها تزكم الأنوف، وثرواته يتناقلها الورثة، وعن الإمام الباقر عليه السلام: “عجباً للمختال الفخور! وإنّما خلق من نطفة، ثمّ جيفة، وهو فيما بين ذلك لا يدري ما يُصنع به.
وإذا ما انتقل إلى العالم الآخر ولم يتخلّص من رذيلة الكِبْر واستحكمت به آثارها المهلكة، فإنّه سيلاقي من أنواع العذاب ما لا يمكن وصفه.
ب- العلاج العملي: بعد أن يرى الإنسان خطورة بقاء هذه الرذيلة الأخلاقية على إيمانه ومصيره في الآخرة، لا بدّ له من السعي بجدّ للتخلّص منها. وأفضل سبيلٍ هو أن يعمل بما يُضادّها، أي كلّما دعته نفسه ليتكبّر على الآخرين، يقمعها ويخالف أوامرها بأن يتواضع لهم، فعن الإمام علي عليه السلام: “ضادّوا الكِبْر بالتواضع”.
وإذا رأى أنّ سبب تكبّره ارتداء الملابس الفاخرة أو اقتناء الحاجيات الفخمة، فعليه أن يبادر إلى ارتداء الملابس البسيطة، وإن لاحظ في نفسه نفوراً من مجالسة الفقراء، فيصرّ على مجالستهم ومساعدتهم، وإن كان يحب أن يتقدّم القوم، فليعمد إلى تقديمهم على نفسه، وإن كان لا يصغي إلى كلام الآخرين، أو لا يقضي حوائجه بنفسه دون الاعتماد على الآخرين، فعليه العمل بخلاف ذلك، وإذا حدّثته نفسه بالتعالي على غيره والسعي لإذلالهم أو الاعتداء على حقوقهم، فليتذكّر ما أعدّه الله من عذابٍ للمتكبّرين الظالمين: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾.
وللتكبر آثار خطيرة، ومفاسد كبيرة ذات تأثير على الفرد نفسه وعلى المجتمع في الحياة الدنيا، وما يتبعها من العذاب الأليم في الآخرة.
1- إن المتكبر غير قادر على فهم الحقائق التي تطرح عليه لأن الكبر يحجبه عن قبول الحقيقة مهما كانت واضحة، يقول سبحانه وتعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ}.
كما ورد عن عيسى (عليه السلام): (إن الزرع ينبت في السهل، ولا ينبت على الصفا، كذلك الحكمة تعمر فى قلب المتواضع، ولا تعمر فى قلب المتكبر الجبار).
2- إن المتكبر دائماً ينظر إلى الأشياء من خلال المقياس الذاتي: لا المقياس، الموضوعي، ولذلك لا يستطيع أن يضع الأشياء في مواضعها فهو إنسان غير موضوعي لا يستطيع أن يخضع للحقيقة، ولا يقتنع بها حتى لو استيقنتها نفسه فهو يستهين بالناس ويطعن بهم، ويتجاهل حكم العقل، والشرع، والقانون، وقد ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قيل له: ما الكبر؟ فقال: أعظم الكبر أن تسفه الحق وتغمص الناس، قيل: وما سفه الحق قال يجهل الحق ويطعن على أهله.
3- من الآثار الاجتماعية على المتكبر، ما يتعرض له من عزلة الناس لأن من ترفع عن الناس، احتقروه واعتزلوه؛ ولأن (الكبر من الصفات التي تقطع حبائل الألفة والأنس بين الإنسان وأخيه، بل يبدلهما إلى العداء ويفتح على صاحبه باباً من الانزجار العام.
4 — ومن الآثار الخطيرة للتكبر أنه يوقف عجلة التكامل الفكري والأخلاقي والروحي في الإنسان؛ لأن المتكبر لا ينظر في نفسه إلا الجوانب الإيجابية الحسنة، ويغفل عن جميع نواقصه وعيوبه؛ ولهذا يقول الإمام الباقر (عليه السلام): (ما دخل قلبَ امرىءٍ شيءٌ من الكِبْرِ إلا نقص من عقله مثل ما دخله من ذلك قل أو كثر.



