كريم أهل البيت “ع” والخيانة الكبرى

كريم أهل البيت الإمام الحسن “عليه السلام”، عاش مظلومية كبيرة أبان توليه الخلافة، بعد استشهاد أبيه الإمام علي بن ابي طالب “عليه السلام”، والذي عاصره وخاض معه جميع حروبه التي شنها المعترضون على خلافته، حيث حصل جميع ذلك بعد استشهاد الرسول محمد “صلى الله عليه وآله وسلم”، وتعرّض “عليه السلام” لخيانة كبرى من قادة جيشه الذي كان متوجها لقتال معاوية “لعنة الله عليه”.
مجريات الأمور بعد رحيل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لم تسر كما كان مقرّراً، إلى أن استلم الخلافة أبوه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعد خمس وعشرين سنة على رحيل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعاد إليه حقّه بالولاية، إلاّ أنّ ضعفاء النفوس والمتخاذلين أبَوا إلّا أن يحاربوه، فكانت حروب الجمل وصفّين والنهروان، ثمّ انتهى الأمر باستشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام) في مسجد الكوفة على يد الخارجي عبد الرحمن بن ملجم.
وبعد استشهاد الإمام علي (عليه السلام) بويع الإمام الحسن (عليه السلام) بالخلافة كقائدٍ ووليٍ للأمّة، ولكن في فترةٍ حرجة وصعبة جداً بسبب الحروب التي افتعلها المتآمرون على أبيه (عليه السلام) وأوّل ما عمد الإمام الحسن (عليه السلام) إلى فعله هو إكمال تهيئة الجيش الذي كان يحشده الإمام علي (عليه السلام) لقتال معاوية، وسار الإمام (عليه السلام) بالجيش لملاقاة معاوية الذي كان قد خرج من الشام قاصداً العراق لحرب الإمام (عليه السلام)، إلّا أنّ ما يؤسف له، أنّ الكثير من قادة جيش الإمام الحسن (عليه السلام) خانوه وانحازوا إلى معاوية بالترغيب بالأموال والمناصب ومنهم الحكم الكندي والمرادي وعبيد الله بن العباس وهو من أرحام الإمام الحسن (عليه السلام) وأخذوا معهم أكثرية الجيش، فلم يبقَ مع الإمام (عليه السلام) إلّا العدد القليل.
أراد الإمام الحسن “عليه السلام” أن يمتحن من بقي معه ليرى مقدار ولائهم له فقال لهم: (أمّا بعد: فإنّي والله لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنّه، وأنا أنصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت محتملاً على مسلم ضغينة، ولا مريداً له بسوء ولا غائلة، ألا وإنّ ما تكرهون في الجماعة خيرٌ لكم ممّا تحبّون في الفرقة، ألا وإنّي ناظركم خيراً من نظركم لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري، ولا تردّوا عليّ رأيي، غفر الله لي ولكم، وأرشدني وإيّاكم لما فيه المحبّة والرضى)، عندها نظر الناس إلى بعضهم وقالوا بأنّ الإمام (عليه السلام) يريد من هذا الكلام أن يصالح معاوية وقالوا والعياذ بالله “كفر والله الرجل”، ثمّ هجموا على الإمام (عليه السلام) ونهبوا خيمته وما كان فيها حتى أنّهم أخذوا مصلاه من تحته، وحتى أنّ البعض من هؤلاء المنحرفين اقترح تسليم الإمام (عليه السلام) إلى معاوية حياً لقتله. وهكذا انهار جيش الإمام قبل البدء بالحرب بسبب الانحراف والإغراءات، بحيث لم يعد أمام الإمام الحسن (عليه السلام) سوى طريق الصلح لحقن الدماء من شيعته وشيعة أبيه، وقد قال الإمام (عليه السلام) كلاماً مهمّاً عن تلك الخيانة من جيشه فقال: (غررتموني كما غررتم من كان قبلي، مع أيّ إمامٍ تقاتلون بعدي؟ مع الكافر الظالم الذي لم يؤمن بالله ولا برسوله قط، ولا أظهر الإسلام هو وبني أمية إلّا فرقاً من السيف؟).
ولا بدّ أن نذكر هنا أنّ الذي طرح فكرة الصلح هو معاوية وليس الإمام الحسن (عليه السلام) لعلمه بأنّ قتل الإمام الحسن (عليه السلام) على يديه ستكون له انعكاسات سلبية لوصوله إلى الحكم الدنيوي الذي يسعى إليه. وما يؤكّد عدم لجوء الإمام إلى الصلح إلّا بعد اليقين بأنّ الغدر والمكر والخديعة انحرفت بأكثرية جيشه إلى دنيا معاوية ما قاله بعد علمه بكلّ ما جرى: (يا عجباً من قومٍ لا حياء لهم ولا دين، لو سلّمت له الأمر فأيم الله لا ترون فرحاً أبداً من بني أميّة، والله ليسومونكم سوء العذاب، ولو وجدت أعواناً ما سلّمت له الأمر، لأنّه محرّم على بني أميّة، فأفٍ وترهاً يا عبيد الدنيا)، ثمّ ردّ على كتب معاوية بالصلح قائلاً له: (أمّا أني أريد أن أحيي الحق وأميت الباطل، وأجري كتاب الله وسنّة نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لكن الناس لم يوافقوني، والآن أنا أصالحك على شروط أعرف أنك لن تفي بها، فلا يسرّك أنّ الملك ميسّر لك، فسرعان ما ستندم كما ندم من غصبوا الخلافة، لكن ندمهم لم يعقب لهم نفعاً).
وهكذا كانت مظلومية الإمام الحسن (عليه السلام) في حياته نتيجة الجهل بأبعاد فعل الإمام المعصوم (عليه السلام) بنص النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما قال (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)، حتى وصل الأمر ببعض أخلص أصحابه أن يقول للإمام (عليه السلام): “سوّدت وجوه المؤمنين”، فقال له الإمام الحسن (عليه السلام): (ما كلّ أحدٍ يحبّ ما تحب ولا رأيه كرأيك، وإنّما فعلت ما فعلت إبقاءً عليكم).
وما يدلّ على مظلومية الإمام الحسن (عليه السلام) هو إغراء معاوية لجعدة بنت الأشعث بدسّ السم للإمام (عليه السلام) لقتله ولتزويجها من ولده يزيد وإعطاؤها مبلغا ضخما من المال، وهكذا انتقل الإمام الحسن (عليه السلام) إلى ربّه شهيداً مسموماً، وعند احتضاره قال لأخيه الإمام الحسين (عليه السلام): (لا يوم كيومك يا أبا عبد الله) قاصداً بذلك مظلومية الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء وما جرى عليه ممّا كان الإمام الحسن (عليه السلام) يعرفه عن أبيه وأمّه وجدَه (صلى الله عليه وآله وسلم).
فسلامٌ على الإمام الحسن (عليه السلام) يوم وُلد ويوم استُشهد ويوم يُبعث حياً، ونسأل الله تعالى شفاعته وشفاعة جدّه وأبيه وأمّه وأخيه وأبناء أخيه الأئمة الأطهار (عليهم السلام).



